أحمد ياسوف
176
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ذلك أبلغ وأشد تهويلا ، وقد جاء الأصل في قوله : يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [ الحج : 19 ] « 1 » . جاء الصب معبرا عن التدفق المتلاحق لألوان العذاب ، وذلك التحريك العنيف في إطار صورة حرارية معبرة عن مهانة من يصب من فوقه الحميم ، وصوت الكلمة صُبُّوا الصاد قوي فيها ، فضلا عن الشدة على الباء الحرف الشفوي مع الضم . ويظهر جليا من خلال هذه الشواهد المباركة أن القرآن الكريم يميل إلى بث الحركة في الكائنات والمشاعر ، وانتقاؤه للمفردات المحرّكة يدل على احتواء للمواقف ، وإقناع للعقل وإمتاع للوجدان بجوانب الحركة المبثوثة ومتابعة خطوطها ، فتغدو المشاهد فوّارة تثير الخيال ، وتتغلغل في الأعماق ، ولا تكون سردا ذهنيا جافا ، بل تكون مظاهر إنما هي طبقة حسية تؤكد المضمون وتزيد من فاعليته . وكثيرا ما نجد الحركة القوية السريعة مما يبعث على تأثير خاص لا يطلب في موضع آخر ، فإن آخر خط للحركة احتواء تام للكفرة ، وانقطاعها أو سريانها وتدفقها مرتبط بحجم الفكرة ، وقد قال جويو : « الصفة الأولى من صفات الجمال في الحركات هي القوة ، والصفة الثانية من صفات الجمال في الحركات هي الانسجام ، أعني ملاءمة الحركة لبيئتها وغايتها » « 2 » . ولكن الحركة البطيئة جميلة ما دامت معبرة عن فكرتها ، ولكن الحركة القوية والسريعة أكثر ظهورا وتحريكا للخيال ، وتبعا لهذا يمكننا
--> ( 1 ) التسهيل لعلوم التنزيل ابن جزي : 4 / 37 ، والكشاف : 3 / 566 ، وإرشاد العقل السليم : 8 / 65 . ( 2 ) سائل فلسفة الفن المعاصرة ، ص 43 .