أحمد ياسوف

158

دراسات فنيه في القرآن الكريم

تشخيص الأعضاء أقل من تشخيص الأفعال وهذا لأن الحركة البشرية هي المطلوبة وهي الأكثر ظهورا في الحياة ، مع أن الحركة زيادة في تحريك المشاعر . قوله تبارك وتعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ [ المائدة : 37 ] فالإقامة عنصر بشري يرتبط بالترحال وسائر وسائل العيش . ومثله الآية الكريمة : مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ [ الزمر : 40 ] ، وهكذا وصف العذاب بالإقامة في القرآن الكريم مرتين ، وقريب من هذا الحديث النبوي . والعلاقة بين العذاب والإقامة علاقة تضاد ، لأن العذاب مشقة وقبح ، والإقامة راحة وجمال ، فهذا يعني أن العذاب مستريح وكأن حطّ عصا الترحال بعد عناء الانتظار الذي يوازي عذاب السفر ، ويقدر ما يستريح يتعب الكافر في أحشائه ، وإنها لرحلة طويلة بدأت مع خالق النار إلى يوم الحساب . وأمكن أن نقول إن عبارة : عَذابٌ مُقِيمٌ صعود من الحسية إلى شيء من التجريد والذهنية ما دامت هذه الإقامة تمزج بين البشري والجمادي ، خصوصا في الآية الأخيرة ، إذ نتصور الإقامة هابطة ضاغطة ، وعلى تصور هذا العذاب راكبا لأنه يحلّ عليه من الأعلى ، فهو مستريح مقيم . « يحشر الناس على ثلاث طرائق ، راغبين راهبين ، واثنان على بعير ، وثلاثة على بعير ، وأربعة على بعير وو عشرة على بعير ، وتحشر بقيتهم النار ، تقيل معهم حيث قالوا ، وتبيت معهم حيث باتوا ، وتصبح معهم