أحمد ياسوف
159
دراسات فنيه في القرآن الكريم
حيث أصبحوا ، وتمسي معهم حيث أمسوا » « 1 » . وهناك الطواف الذي يتملك دلالة اجتماعية ودينية عند العرب ، يستعار لوساوس الشيطان وأذاه ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [ الأعراف : 201 ] ، ويرد الطواف معبرا عن لحظة إتلاف البستان بالحريق كما في قصة أصحاب الجنة : فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ [ القلم : 19 ] . فالذي نفيده من الآية الأولى أن مسّ الشيطان صار محيطا بهم ، وهو أقوى ما يعبر به عن البلاء إذ يتنفسون داخله ، ويدورون في فلكه ، وكأن المس شخص محيط بالأرواح ، فهذا التشخيص قدّم لنا حركة بشرية واعية قاصدة للضرر ، وقدّم لنا حركة دائرية خانقة . أما الآية الثانية فيفيد الطواف فيها المرور بكل شجرة من هذه البستان ، وهو مشهد يصوّر الطائف حريصا على إتلاف كل شجرة ، والتعبير يزيد هذا الأمر توكيدا من خلال التكرار فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ ، إذ يؤكد صفة الطواف ، وهو مشهد غيبي ، لاتصافه بمصدر الألوهية مِنْ رَبِّكَ فما دام هؤلاء إذ بخلوا حريصين على كل شجرة فكذلك كانت الحركة النارية طوافا لا يغادر شجرة إلا أحرقها . وقال تعالى في إبراز النعمة : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 12 ] ، أي من كثرة الإبصار فيه صار هو مبصرا ، والتعبير عنه بالإبصار لا تأخذنا حتما إلى إبصار الحيوان ، بل إلى إبصار الآدمي ، لكونه المخاطب بالآيات والمكلف بالخلافة ، وهذا
--> ( 1 ) البخاري ، الرقاق ، باب كيف الحشر : 5 / 390 ، ح ( 6157 ) ، ومسلم ، صفة الجنة ، باب فناء الدنيا : 8 / 266 ، ح ( 2861 ) ، والنسائي ، الجنائز ، باب البعث : 4 / 115 .