أحمد ياسوف
157
دراسات فنيه في القرآن الكريم
انزياح « يدمغه » : « الدمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثقال ، وعن طريق الغلبة والاستعلاء ، فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه » « 1 » . إنها حركة مشخصة ولكنها بحسيتها تدعونا إلى محاربة الفكر الكافر مع محاربة مظاهره ، فهذه الحركة الداخلية تدعونا إلى النظر لبواطن الأمور لتفهم أبعادها وفاعليتها ، إنها كلمة مختزنة لكونها مشتقة من عبارة « ضربه على دماغه » ، فقد صار الكفر شخصا مختل العقل بعد بيان الحق . ومن الملامح الحسية المستقاة من الإنسان وطبعه الاجتماعي الإقامة التي تستعار للعذاب في قوله عز وجل : وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ [ التوبة : 68 ] ، وجاء العذاب مقيما كشخص يطيل البقاء في مكان ما ، وهذا التعبير يرعب الكفار والمنافقين الذي يلحقون زوائل الدنيا ومباهجها العابرة ، وكلمة « مقيم » تصور العذاب شخصا جاثما على صدورهم قاطعا أنفاسهم ، لا سيما في طول المد اليائي الذي يختم بالميم الشفوي أحد حروف الإطباق ، فالعذاب دائم ومما يزيد في حسيته أنه مطبق عليهم كإطباق الميم . قال تعالى : فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 66 ] ، وبين اليدين تعبير مجازي عن الاستقبال ، فهذه القرية « إيلات » تجلت كالإنسان الذي يتلقى العقوبة والمقصود بها أهلها ، هكذا يقدم التشخيص ، ولكن ما السبب ؟ السبب إسباغ الصفة البشرية على الحجر والتراب والزرع تحقيرا لهؤلاء العصاة الذي جمدوا عقولهم وقلوبهم ، فسكت عنهم هنا وجرى الكلام على الجمادات . والملحوظ أن العنصر المشخص هو اليد ، والجدير بالذكر أن
--> ( 1 ) تلخيص البيان في مجازات القرآن ، ص / 228 .