أحمد ياسوف

150

دراسات فنيه في القرآن الكريم

والتكليف ، ويقول ضياء الدين بن الأثير : « نسبة القول إلى السماء والأرض من باب التوسع ، لأنهما جماد ، والنطق إنما هو للإنسان لا للجماد » « 1 » . ونقول : إنما هي أحوال خاصة بهذه المخلوقات ، لا نقيسها على طريقة الكلام والطاعة عند الآدميين ، فلا يحتاج القول إلى شفاه ولسان في هذه المخلوقات ، ومع هذا نجد القرب من الوضع الآدمي مما يدل على شدة طواعية هذا الجماد ، فهو حقيقة ، ولكنه يبدو تشخيصا على المجاز ، وهو جمال حقيقي ، لأن هذه الحقيقة جميلة ، وذات معالم مدهشة . من هذا قوله تعالى عن الكواكب : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ الأنبياء : 33 ] ، فالذي لفت نظر القدامى وجود الواو والنون في فعل السباحة والأفعال الخمسة مختصة بالإنسان ، ولكن الأهم استعارة البيان القرآني للسباحة التي جعلت الكواكب عاقلة في حركة انسيابية دالة على طواعية وتفهم لأمر الخالق . ونقف عند آية كريمة تتحدث عن الكافرين ، وتتضمن صورة تشخيصية منفية ، قال تعالى : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ [ الدخان : 29 ] ، وينظر كثير من الدارسين اليوم إلى أن السماء والأرض من الجمادات التي التي لا تعقل ولا تنطق ، ولكن عنصر التخييل والتشخيص جعل منهما إنسانا له عقل وفكر وعاطفة ، فهما يفهمان ما يلقى من أوامر ويسرعان إلى تلبية الأمر والانقياد للقدرة الإلهية . يقول الدكتور عبد القادر حسين معلقا على الآية : « إن الأخذ بالحقيقة في بعض الآيات ربما يجعل المعنى ساذجا فيه كثير من العنت للتصديق به

--> ( 1 ) المثل السائر : 1 / 363 .