أحمد ياسوف

151

دراسات فنيه في القرآن الكريم

واعتقاده ، وإن الأخذ بالمجاز في بعض الآيات فيه كثير من الإبقاء على روح النص وإدراك المعنى في أبعاده ومراميه ، مما يجعله أقرب إلى تصديقه والتسليم به » « 1 » . ويوضح الدكتور عبد الحليم حفني المنحى الجمالي المقصود في الاتجاه إلى القول بالمجاز : « ولكن الذي يعني هذا الحديث هو إثبات وجود هذه الصورة المنفية ، وهي أن نتصور أن السماء والأرض تبكيان ، وأنهما كانتا يمكن أن تبكيا على هؤلاء الهالكين ، ولكنهما لم تبكيا ، فلما ذا لم تبكيا ، بل لما ذا صوّر القرآن أصلا هذه الصورة رغم عدم إمكان وجودها في الواقع والحقيقة ؟ والإجابة أن الهدف هو السخرية من هؤلاء الهالكين الذين بلغ بهم الكفر والتحدي للّه قبولهم ادعاء الألوهية من قائدهم فرعون ، ثم استجابتهم لهذه الدعوى الباطلة وتنصيبهم إياه إلها ، ثم أطغاهم ما أفضاه اللّه عليهم من نعم وخيرات وملك وحضارة ونعيم ، فظنوا أنهم كل شيء في الكون وأن من عداهم إنما هو مسخر لهم ، ويترتب على ذلك أنهم كانوا يتصورون أنهم لو هلكوا فسيتم الحزن كله ، فتبكي عليهم السماء والأرض » « 2 » . وينبغي أن نقول : لا مانع من وجود الحقيقة ، فلا ننفي البكاء عن هذه الجمادات كما يليق بخلقها لا بخلق الآدميين ، وما دام الأمر غيبا فلا مجال لنكرانه أو التحكم بماهيته ، وهذا لا ينفي أيضا أن نقول بالحقيقة ، ثم نرى تجلي هذا الفعل بشريا ، مما يوسع دائرة الخيال لتصور هذه الكائنات تبكي ، فعلينا الإقرار بالخبر والتصديق به من غير أن نستبعد الصبغة الجمالية ، لأن التجلي يذكرنا بالطبع البشري ، فإذا دمج هذا بطبع الجمادات ازدادت الآية طاقة في إثارة الخيال .

--> ( 1 ) القرآن والصورة البيانية ، د . عبد القادر حسين ، ص 130 - 131 . ( 2 ) التصوير الساخر في القرآن الكريم . د . عبد الحليم حفني ، ص 199 - 200 .