أحمد ياسوف

146

دراسات فنيه في القرآن الكريم

ولكن ما معنى التشخيص لغة ؟ لا بد أنه مستنبط من كلمة شخص أو فعل شخص ، فالشخص كل جسم له ارتفاع وظهور وغلب في الإنسان » « 1 » ، أما فعل شخص فيعنى فتح الأجفان وارتفاع العينين ومنه قوله عز وجل : فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنبياء : 97 ] ، ولا شك أن المعنى الأول هو المقصود للتشخيص ، وهو قريب من مفهوم الشخصية في عناصر الأدب ، وهذا قاصر على الإنسان . إن مصطلح التشخيص مصطلح بلاغي مستحدث لم يرد في كتب الإعجاز والبلاغة القديمة ، ولكن هذا لا يعني غياب مفهوم المصطلح عن الفكر البلاغي القديم ، لأن المدلول يسبق الدلالة ، إذ وقف الدارسون قديما عند الاستعارة المشخصة وأدركوا جماليتها من غير أن يسموها تشخيصا ، وجاء في التعريف به : « التشخيص إبراز الجماد أو المجرد من الحياة من خلال الصورة بشكل كائن متميز بالشعور والحركة والحياة » « 2 » . وقد كثر هذا الفن في الشعر الأندلسي ، إذ تكونت علاقة عاطفية حميمة بين المبدع والمشاهدات ، لأن كثرة ضغط عناصر الطبيعة بحضورها المستمر ما ألهب الخيال فأنتج صورا مشخصة للجمادات ، فأضفى الشاعر الأندلسي مشاعره على مشاهد الطبيعة ، كأن تشركه في الحزن ، فتتعاطف معه الأزاهير وتحنو عليه الأغصان ، لم لا وقد أسبغ عليها صفات ومشاعر إنسانية سامية لكي تبدد الشعور الحاد بالغربة ، وبالمقابل أضفى عليها مشاعر السرور في لحظات سعادته ، فيكون الضياء ابتسامة رقيقة ، ويكون النسيم دغدغة لطيفة . وليس يقتصر جمال التشخيص على الصعود بالأشياء ما دامت تشبه البشر ، بل إن هذا يلقي الطمأنينة في نفس المبدع والقارئ ، ذلك لأن

--> ( 1 ) المعجم الوسيط : 1 / 478 . ( 2 ) المعجم الأدبي ، جبور عبد النور ، ص 67 .