أحمد ياسوف

143

دراسات فنيه في القرآن الكريم

المتراكم ، وهذا ترهيب ينزع الرغبة الآثمة من جذورها . ومنه أكل أموال اليتامى ، إذ المعهود أن تحصيل هذه الأموال والسيطرة عليها نفع حسي غاشم ، ولكن ربما لا تراه العين كسرقة مصنع بعيد عن الأنظار ، سرق بتغيير اسم المالك ، في حين نجد للأكل طبعا حسيا ظاهرا ، فضلا عن إشراك الحيوان في هذا السلوك الغريزي ، فكان التعبير بالأكل أشد شناعة وتشنيعا ، خصوصا إذا تصورنا الحال الغريبة مع هذا التركيب وانزياح الكلمة عن نطاقها المعجمي ، فنتصور إنسانا يبتلع دنانير ودراهم بدلا من الطعام والشراب ، خلافا لطبع الخلق . قال عز من قائل : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [ النساء : 2 ] ، كذلك عدل عن العظيم إلى الكبير في وصف الإثم فقال : حُوباً كَبِيراً ليناسب تصوّر حجم المال الحسيّ المتوقع بعد السرقة ، ويضاف إلى هذا أن كلمة حُوباً أقل ورودا في اللغة من الإثم ، مما يشير إلى غرابة الموقف وشذوذه عن الطبع السوي في الإنسانية . والسفر حسي لعلاقته الظاهرة بالطريق ومظاهره ووسائله ، ولكن يعبر عنه بالضرب إيغالا في المشقة الحية حتى كأن المسافر يحفر في الأرض طالبا الرزق وغيره ، وكأن المسافر يدخل قدميه في الأرض كما يوحي حرف الجر الظرفي « في » ، ولذلك قال : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [ النساء : 101 ] . ويتبدّى عدد من جيش الكافرين قطعة منتزعة من قطعة أخرى ، هذا إيغال في الحسية ، إذ من المفروع منه أن شخوص الكافرين كائنات حسية ، ولكن قصد من خلال القطع إلى استبقاء منظر الجهاد في منظور المؤمنين ومعاودة وسائل الحرب ، وفيه أيضا التوغل الزائد في أعماق المتلقين الذين يتصورون جسوم أعدائهم تنزاح عن أبصارهم ، قال تعالى