أحمد ياسوف
144
دراسات فنيه في القرآن الكريم
بعد غزوة بدر : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . [ آل عمران : 126 - 127 ] ، فالقطع والطرف رمزان إلى السيف وسيلة الجهاد ، وإلى الأعضاء البشرية ، وهذا لا يقتصر على مقتضيات الحرب القديمة ، بل ينسحب على حرب سائر العصور . وبعد فقد قدمنا بعض النماذج حول فن التجسيم الذي يرد في صور القرآن الكريم ، وقد بينا وفق منهج التلقي والتوقع والاحتمالات ما يمكن استيعابه جماليا من الكلمة المجسمة ، من خلال العودة إلى الأصل الحسي وفاعليته ، ثم النظر في السياق الجمالي الجديد المنزاح عن المعجم ، ثم ما يكتسبه هذا الحس من روحنة عند اللقاء بالذهني ، مقارنين بين الوجود والإيجاد ، بين الحسي وتفاعل الحسي مع أشياء أخرى . وهكذا تبين أن فن التجسيم الكامن في صلب الجملة القرآنية هو الإكسير الذي يقوم بعملية التحويل لمخاطبة الحواس قبل العقل ، وهو فن لا يقتصر على الباصرة ، كما تبين لنا ، فإنه يخالف الواقع المرئي والاجتماع الميكانيكي إن صح التعبير ، ولذلك يشمل البصيرة في نهاية الأمر . وقد أضفى القرآن الكريم على التجسيم دقة فنية محكمة ، فأضاف إلى جمال الاستعارة جمال انتقاء الكلمة الحسية من بين ما يشبهها من الحقل الدلالي الواحد ، وذلك لمراعاة المواقف وخصوصيتها . ولم نتلمس التجسيم في الاستعارة فحسب كما اشتهر عند الدارسين ، بل هي في التشبيه بأنواعه والكناية أيضا ، ولم نشغل بأنواع الألوان البلاغية ، بل عنينا بفاعلية هذه اللون ، وكان التجسيم أول هذه الفاعلية ، لننتقل بعد ذلك إلى فاعليته في التشخيص والحركات ، فالكلمة المجسمة على أنها عنصر مضيء في سياق كلي هو الصورة الفنية البصرية . * * *