أحمد ياسوف

131

دراسات فنيه في القرآن الكريم

ونلتقي بهذه المحاصرة ونرصد حركتها التثبيتية في الآية الكريمة في وصف المنافقين الذين يوالون أهل الكتاب : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ [ المائدة : 52 ] . والمقصود هنا « دوائر الزمان وهي صروفه » « 1 » ، وهو قول مجازي كما يقرر الزمخشري ، إنه تجسيم لفعل المصيبة التي تهبط على هؤلاء ، ثم تحيط بهم من كل جانب ، وإننا لنتصورها دائرة كبيرة تتجلى لتحيط بكل هؤلاء وتخنقهم وتحبس أنفاسهم . وبعكس هذا الضيق حال الانفراج المطلوب في الدعاء ، كما في قوله تبارك وتعالى : وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ [ فصلت : 51 ] ، وقبل التأمل في كلمة « عريض » نشير إلى الحذف ، فأصل الكلام فهو ذو دعاء عريض ، حذف المبتدأ هنا يومئ إلى سرعة هذا الداعي وتلهفه إلى النجاة ، مما يعطي تمكنا للفظة « عريض » التي توائم التلهف والشعور بالضيق . إن هذه المفردة تجسم الدعاء وتضعه في صورة عرضية تستريح عندها الباصرة والبصيرة ، كما أن تنكير الاسم يزيد من حجم العرض ، وكأنه يتجلى للبصر على شكل مثلث ، رأسه فم هذا الداعي وقاعدته عرض الدعاء ، مع تصور فتح الفم على قدر الاختناق الداخلي ، وكأن فتحه ثغرة في حبس الشر . ج - التجسيم المحرّك : بعد أن تبركنا ببعض الشواهد التي تؤكد فن التجسيم المثبت للمرئيات ، نسعى هاهنا إلى تحريكه للمرئيات ، ولن نبسط القول ، إذ

--> ( 1 ) أساس البلاغة للزمخشري ، ص 198 .