أحمد ياسوف
132
دراسات فنيه في القرآن الكريم
نترك الإسهاب في هذا الأمر لفقرة تالية ، نقصرها على أنواع الحركات في صور القرآن كما جسدتها المفردات . ونبدأ بقوله عز وجل : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [ الحج : 11 ] ، يقول الزمخشري مبينا تصوير كلمة « حرف » : « على حرف : على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم ، لا على سكون وطمأنينة » « 1 » . وهكذا أدرك جمالية الكلمة وحضورها في تجسيم الحال الشعورية المضطربة لدى المنافقين من خلال تعبيره بالمثل المقصود به تمثيل ، وقد نظر سيد قطب في هذه الآية ، وتبين أهمية الكلمة المجسمة وأعطى مجالا للتخيل وتوقع الحركة ، قال : « إن الخيال ليكاد يجسم هذا الحرف الذي يعبد اللّه عليه هذا البعض من الناس ، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفتهم ، وهم يترجّجون بين الثبات والانقلاب » « 2 » . إن هذا الترجّح حركة قلقة ، وهي في الداخل ، ولكن الكلمة تجلّيها ، وتقدم إلينا حركة منقطعة تقطع الأنفاس وتثير التوقعات ، فلا هم إلى ثبات ، ولا هم إلى انقلاب ، وفي هذا تحذير شديد من مظاهر النفاق . ونجد الحركة منفلتة قوية تغير من الاتجاه الجسدي الذي يجلّي الوقفة مع الحق بعد الجحود والكفر ، وهذا في قوله عز وجل على لسان سحرة فرعون : قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 50 ] . وقد سبق الإمام أبو بكر الباقلاني إلى إدراك جمالية التجسيم من خلال
--> ( 1 ) الكشاف : 3 / 115 . ( 2 ) التصوير الفني ، سيد قطب ، ص 42 .