أحمد ياسوف

118

دراسات فنيه في القرآن الكريم

ولا نجد هذا المصطلح متداولا لدى البلاغيين الأسلاف ، إنما وقعوا على مفهومه وإن اختلفت تسمياتهم ، وكثير من المفاهيم النقدية تسبق تسميتها ، فالتجسيم عندهم تشبيه المعقول بالمحسوس وقد استحسنوه وأعلوا من شأنه . ويبدو جليا أن عناوينهم تكاد تماثل مصطلحاتنا النقدية المعاصرة التي استنارت بالعلوم الحديثة ، والوافدة من فلسفة وعلم نفس ونقد حديث وعلم جمال ، وإلى هذا ذهب الدكتور صبحي الصالح قائلا عن الكتب القديمة : « تومئ عناوينها بالكثير مما ينطلق به مفهومنا الحديث للإعجاز ، ولكن حين نمضي في قراءتها لا نستطيع أن نتملّى فيها جمال القرآن ، وإنما تكوّن فكرة عن ولوع علمائنا بالتفريع والتبويب » « 1 » . والتجسيم ضرورة فكرية كما هو ضرورة فنية جمالية ، وكل التجليات الفنية من رسم وموسيقا ونحت وغير هذا تعد تجسيما « 2 » ، لأنها تجلّي الفكرة في ذهن المبدع ، إذن فالتجسيم وجهة حسية ، ولكنها في الأدب لا تتخلى عن العناصر الروحية ، وذلك لأن الأدب الفن الزمكاني ، يتعامل مع الرموز اللغوية التي تعطي الإيحاء حقه . وقد سهّل اللّه عز وجل على عباده فهم كثير من المعاني الدينية ، فجسّمها إذ نقلها من حيّز المجرد الذهني إلى حيز المادي المحسوس بوساطة الاستعارة ، ومن هذا القبيل التعبير عن الهدى بالضياء ، والضلال بالظلام ، ذلك لأن النفس أول ما تستقبل المعارف عن طريق الحواس وعلى رأسها الحاسة البصرية إحدى نوافذ المعرفة .

--> ( 1 ) مباحث في علوم القرآن ، د . صبحي الصالح ، ص 321 . ( 2 ) انظر : مسائل فلسفة الفن ، جويو ، ص 90 ، ومدخل إلى علم الجمال ، هيغل ، ص 38 .