أحمد ياسوف
119
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وكان هذا الأسلوب الحسي من عوامل استمرار تأثير الصورة القرآنية لعلاقتها بالحواس والطبع البشري وحيثياته ، وهو أكثر ألوان التصوير القرآني ، فالتجسيم جزء من التصوير ، لأن التجسيم يتضمن إسباغ المظهر الحسي على الشيء المعنوي كما تبين ، أما التصوير فيشتمل على تشبيه المعقول بالمحسوس ، والمحسوس بالمحسوس ، فهو مصطلح أعم ، كما يستخدم فن التصوير وسائل مختلفة كالحروف والأفعال والحوار وغير هذا إلى جانب الألوان البلاغية المعهودة . ولا نبالغ إذا قلنا إن التجسيم ما دام مرتبطا بالحاسة البصرية ، فإنه أعلى توترا وأثرا في تحريك المتلقي ، فالعين هي الأداة الأولى والكبرى للإحساس بالجمال الطبيعي والفني والإحاطة بمعانيه وأكثر المجازات مستمدة من عمل العين وإحساسها « 1 » ، كما أن الحاسة البصرية تشتمل على رفيقاتها من الحواس . فالوعي الأول يكون للبصر ، وعلى هذا يكون النص الناجح ما يري المتلقي بدلا من سرد المجردات أمامه ، أي يخاطب العين بما يعبر عن الأعماق بدلا من استخدام ألفاظ باردة لا تتصل بالحواس ، وهي علمية ليست بالسهلة ، لما فيها من إنشاء علاقات تشابه بين المرئي وغير المرئي ، والمرئي من أقوى الموجودات حضورا ، لأنه يتخذ حيزا مكانيا مقنعا . ويكون التجسيم حقيقة فنية عندما تضيق العبارة الحقيقة عن التعبير تماما أو الإلمام بجوانب الفكرة والشعور ، فيلجأ المبدع إلى التجسيم لكونه لونا من الكلام المخضل بالأخيلة ، فضلا عما يقدمه التجسيم من لغة جديدة وعلاقات لغوية جديدة في بنية اللغة ، يقول الدكتور مصطفى ناصف : « وليست حالاتنا الروحية في متناول التفكير بمعزل عن ذلك
--> ( 1 ) بشار بن برد ، المازني ، ص 61 .