محمد إبراهيم الحفناوي
291
دراسات اصوليه في القرآن الكريم
موافق لمدلوله في محل النطق وعليه فيكون المسكوت عنه موافقا في الحكم للمنطوق به . على أن هنا من الأصوليين من أدخل هذه الدلالة في القياس ، وسماها القياس الجلى أو قياس الأولى وذلك لأن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق لظهور العلة فيه على نحو أقوى من المنطوق به ، وعلى هذا فإن دل بعبارته على حكم في واقعة ووجدنا واقعة أخرى متفقة مع الأولى في العلة ، وأولى منها بالحكم ، وكانت هذه المساواة أو الأولوية تفهم بمجرد فهم اللغة دون حاجة إلى نظر وتأمل واجتهاد ، فإنه يتبادر إلى الفهم حينئذ أن النص يتناول الواقعتين ، وأن الحكم المنصوص عليه يثبت للمسكوت عنه أي يثبت للواقعة الثانية . والظاهر - واللّه أعلم - أن دلالة النص تفترق عن القياس من جهة أن العلة هنا يمكن لكل عارف باللغة ، أن يدركها دون نظر واجتهاد ، بعكس القياس فإن العلة فيه يحتاج استخراجها إلى نظر واجتهاد . ومن أمثلة دلالة النص : ( أ ) قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً « 1 » فهذا النص الكريم يفهم من عبارته تحريم أكل أموال اليتامى ظلما ، ويفهم من دلالته تحريم أن يؤكلوها غيرهم ، وتحريم إحراقها وتبديدها وإتلافها بأىّ نوع من أنواع الإتلاف ، لأن هذه الأشياء تساوى أكلها ظلما في أن كلا منها اعتداء على مال القاصر العاجز عن دفع الاعتداء ، وعليه يكون النص المحرم بعبارته أكل أموال اليتامى ظلما محرّما إحراقها وتبديدها بطريق الدلالة ، وواضح أن المفهوم الموافق المسكوت عنه مساو للمنطوق .
--> ( 1 ) سورة النساء الآية : 10 .