الجاحظ
80
الحيوان
اللّه بن زياد ، إذ أدخل على عبد اللّه جرذ أبيض ليعجّب منه ، فأقبل عبيد اللّه على عبد اللّه فقال : هل رأيت يا أبا صالح أعجب من هذا الجرذ قط ؟ وإذا عبد اللّه قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ ، واصفرّ حتى صار كأنّه جرادة ذكر ، فقال عبيد اللّه : أبو صالح يعصي الرّحمن ، ويتهاون بالشيطان ، ويقبض على الثعبان ، ويمشي إلى الأسد ، ويلقى الرّماح بوجهه ، وقد اعتراه من جرذ ما ترون ؟ ! أشهد أنّ اللّه على كلّ شيء قدير . 2119 - [ خوف الفيل من السنور ] وإذا عاين الفيل الأسد رأى فيه شبه السّنّور ، فيظنّ أنه سنّور عظيم فلا يبلغ منه مقدار تلك المناسبة ، وذلك الشّبه ، ومقدار ذلك الظنّ ما يبلغ رؤية السّنّور نفسه . وليس هربه منه من جهة أنّه طعام له ، وأنّه إن ساوره خافه على نفسه ، وإن كان في المعنى يرجع إلى أنّه طعام لصغار السّباع وكبارها . وهل قتل أسد قطّ فيلا ، ومتى أكله ؟ ! وإنّه مع ذلك لربّما ركله الرّكلة ، فإمّا أن يقتله ، وإمّا أن يذهب عنه هاربا في الأرض ، وإمّا أن يجليه . وأيّة حجّة على الفيل في أن يرى سنورا فينفر منه ؟ ! فالأسد يشار إليه بشعلة من نار ، أو يضرب له بالطّست فيهرب منه ، فإنما هذا كنحو تفزّع الفرس من كلّ شيء يراه في الماء وهو عطشان فيأباه . 2120 - [ حب الفرس للماء الكدر ] ويزعم « 1 » ناس من أصحاب الخيل أنّ الفرس ليس يضرب بيديه في الماء الصافي ليثوّره ، لأنّ الماء الكدر أحبّ إليه ، وما هو إلا كالثّور الذي يحبّ الصافي ويختاره ، ولكنه إذا وقف على الماء الصافي رأى فيه ظلّه وظلّ غيره من الأشخاص ، فيفزعه ذلك ، فلمعرفته بأنّ الماء الكدر لا تتصوّر فيه الصّور يضرب بيديه . هذا قول هؤلاء . وأمّا صاحب المنطق وغيره ممّن يدّعي معرفة شأن الحيوان فإنّه يزعم أنّ الفرس بالماء الكدر أشدّ عجبا منه بالماء الصافي ، كما أنّ الإبل لا يعجبها الماء إلّا أن يكون غليظا ، وذلك هو الماء النّمير عندهم . وإنّما تصلح الإبل عندهم على الماء الذي تصلح عليه الخيل . 2121 - [ التداوي بأضراس خيل الماء وأعفاجها ] ويزعم من أقام ببلاد السّودان أنّ الذين يسكنون شاطئ النيل من الحبشة
--> ( 1 ) ربيع الأبرار 5 / 395 ، وانظر ما تقدم في 5 / 79 .