الجاحظ

34

الحيوان

2046 - [ منطق الطير ] ولها منطق تتفاهم بها حاجات بعضها إلى بعض . ولا حاجة بها إلى أن يكون لها في منطقها فضل لا تحتاج إلى استعماله . وكذلك معانيها في مقادير حاجاتها . 2047 - [ بعض ما قيل في العقل ] وقيل لرجل من الحكماء : متى عقلت ؟ قال : ساعة ولدت . فلما رأى إنكارهم لكلامه قال : أمّا أنا فقد بكيت حين خفت ، وطلبت الأكل حين جعت ، وطلبت الثّدى حين احتجت ، وسكتّ حين أعطيت . يقول هذه مقادير حاجاتي ، ومن عرف مقادير حاجاته إذا منعها ، وإذا أعطيها ، فلا حاجة به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل . ولذلك قال الأعرابيّ « 1 » : [ من الطويل ] سقى اللّه أرضا يعلم الضّبّ أنّها * بعيد من الآفات طيبة البقل بني بيته منها على رأس كدية * وكلّ امرئ في حرفة العيش ذو عقل 2048 - [ منطق الطير وعقله ] فإن قال قائل : ليس هذا بمنطق ، قيل له : أما القرآن فقد نطق بأنّه منطق ، والأشعار قد جعلته منطقا ، وكذلك كلام العرب ، فإن كنت إنما أخرجته من حدّ البيان ، وزعمت أنّه ليس بمنطق لأنك لم تفهم عنه ، فأنت أيضا لا تفهم كلام عامّة الأمم ؛ وأنت إن سمّيت كلامهم رطانة وطمطمة فإنّك لا تمتنع من أن تزعم أنّ ذلك كلامهم ومنطقهم ، وعامّة الأمم أيضا لا يفهمون كلامك ومنطقك ، فجائز لهم أن يخرجوا كلامك من البيان والمنطق . وهل صار ذلك الكلام منهم بيانا ومنطقا إلّا لتفاهمهم حاجة بعضهم إلى بعض ، ولأنّ ذلك كان صوتا مؤلّفا خرج من لسان وفم ، فهلّا كانت أصوات أجناس الطير والوحش والبهائم بيانا ومنطقا إذ قد علمت أنّها مقطعة مصوّرة ، ومؤلّفة منظمة ، وبها تفاهموا الحاجات ، وخرجت من فم ولسان ، فإن كنت لا تفهم من ذلك إلّا البعض ، فكذلك تلك الأجناس لا تفهم من كلامك إلّا البعض . وتلك الأقدار من الأصوات المؤلّفة هي نهاية حاجاتها والبيان عنها ، وكذلك أصواتك المؤلّفة هي نهاية حاجاتك وبيانك عنها . وعلى أنّك قد تعلّم الطّير الأصوات فتتعلّم ، وكذلك يعلّم الإنسان الكلام فيتكلّم ، كتعليم الصبيّ والأعجميّ . والفرق

--> ( 1 ) تقدم البيتان في 3 / 40 ، 6 / 345 . وهما في ربيع الأبرار 5 / 469 .