الجاحظ

35

الحيوان

بين الإنسان والطير أنّ ذلك المعنى معنى يسمّى منطقا وكلاما على التشبيه بالنّاس ، وعلى السبب الذي يجري ، والنّاس ذلك لهم على كلّ حال . وكذلك قال الشاعر الذي وصفها بالعقل ، وإنما قال ذلك على التّشبيه ، فليس للشاعر إطلاق هذا الكلام لها ، وليس لك أن تمنعها ذلك من كلّ جهة وفي كلّ حال . فافهم فهّمك اللّه ، فإنّ اللّه قد أمرك بالتفكّر والاعتبار ، وبالتعرّف والاتّعاظ . وقد قال اللّه عزّ وجلّ مخبرا عن سليمان : يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ « 1 » نجعل ذلك منطقا ، وخصّ اللّه سليمان بأن فهّمه معاني ذلك المنطق ، وأقامه فيه مقام الطّير ؛ وكذلك لو قال علّمنا منطق البهائم والسّباع ، لكان ذلك آية وعلامة . وقد علّم اللّه إسماعيل منطق العرب بعد أن كان ابن أربع عشرة سنة ، فلما كان ذلك على غير التلقين والتأديب والاعتياد والترتيب والمنشأ ، صار ذلك برهانا ودلالة وأعجوبة وآية . وقال ابن عبّاس - وذكر عمر بن الخطاب فقال - : « كان كالطائر الحذر » ؛ فشبّه عزم عمر وتخوّفه من الخطأ ، وحذره من الخدع بالطائر . 2049 - [ ما قيل في تجاوب الأصداء والديكة ] وقال ابن مقبل « 2 » : [ من البسيط ] فلا أقوم على المولى فأشتمه * ولا يخرّقه نابي ولا ظفري ولا تهيّبني الموماة أركبها * إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر فجعلها تتجاوب . وقال الطرمّاح بن حكيم - وذكر تجاوب الدّيكة كما ذكر ابن مقبل تجاوب الأصداء - فقال « 3 » : [ من الطويل ] فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعدا * ببمّ ونبّه ذا العفاء الموشّح إذا صاح لم يخذل وجاوب صوته * حماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح

--> ( 1 ) . 16 / النمل : 27 . ( 2 ) ديوان ابن مقبل 79 ، والثاني في اللسان ( هيب ) ، وشرح شواهد المغني 2 / 971 ، والمعاني الكبير 1264 ، ومغني اللبيب 2 / 695 ، وبلا نسبة في اللسان والتاج ( ألك ) ، والجمهرة 496 . ( 3 ) ديوان الطرماح 97 ( 94 ) ، وربيع الأبرار 5 / 444 ، وتقدم البيتان مع تخريج أوفى في 2 / 384 ، الفقرة ( 446 ) .