الجاحظ
129
الحيوان
وكثرة العلل ، يجمعون كلهم على قبول هذه الآية وتصديق هذه السّورة ، وكلهم مطبق على عداوة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والكفر به . والمحلّون من العرب ممّن كان لا يرى للحرم ولا للشّهر الحرام حرمة : طيّئ كلها ، وخثعم كلّها ، وكثير من أحياء قضاعة ويشكر والحارث بن كعب ، وهؤلاء كلّهم أعداء في الدّين والنّسب . هذا مع ما كان في العرب من النّصارى الدين يخالفون دين مشركي العرب كلّ الخلاف ، كتغلب ، وشيبان ، وعبد القيس ، وقضاعة ، وغسّان ، وسليح ، والعباد ، وتنوخ ، وعاملة ، ولخم ، وجذام ، وكثير من بلحارث بن كعب ، وهم خلطاء وأعداء ، يغاورون ويسبون ، ويسبى منهم ، وفيهم الثّؤور « 1 » والأوتار والطوائل ، وهي العرب وألسنتها الحداد ، وأشعارها التي إنما هي مياسم ، وهممها البعيدة ، وطلبها للطّوائل ، وذمّها لكلّ دقيق وجليل من الحسن والقبيح ، في الأشعار والأرجاز والأسجاع ، والمزدوج والمنثور ، فهل سمعنا بأحد من جميع هؤلاء الذين ذكرنا أنكر شأن الفيل ، أو عرض فيه بحرف واحد . 2181 - [ كلام الفيل والذئب ] ورزين العروضيّ - وهو أبو زهير - لم أر قطّ أطيب منه احتجاجا ، ولا أطيب عبارة قال في شعر له يهجو ولد عقبة بن جعفر ، فكان في احتجاجه عليهم وتقريعه لهم أن قال « 2 » : [ من البسيط ] تهتم علينا بأن الذّئب كلّمكم * فقد لعمري أبوكم كلّم الذّئبا فكيف لو كلم اللّيث الهصور إذا * تركتم الناس مأكولا ومشروبا هذا السّنيديّ لا أصل ولا طرف * يكلّم الفيل تصعيدا وتصويبا ولو كان ولد أهبان بن أوس ادّعوا أنّ أباهم كلم الذئب ، كانوا مجانين وإنما ادّعوا أنّ الذئب كلّم أباهم ، وأنّه ذكر ذلك للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأنّه صدّقه . والفيل ليس يكلّم السنديّ ، ولم يدّع ذلك السنديّ قطّ ، وربّما كان السّنديّ هو المكلّم له ، والفيل هو الفهم عنه . فذهب رزين العروضيّ من الغلط في كل مذهب .
--> ( 1 ) الثئر : جمع ثأر . ( 2 ) الأبيات لرزين العروضي في رسائل الجاحظ 2 / 53 ، وثمار القلوب ( 576 ) ، وكتاب الورقة 35 ، وهي لوزير العروضي في الوزراء والكتاب 295 ، ولأبي سعيد المخزومي في ديوانه 24 - 25 ، وطبقات ابن المعتز 295 ، ولدعبل في الوحشيات 214 ، والأغاني 20 / 138 .