الجاحظ

130

الحيوان

2182 - [ ما يكلّم من ضروب الحيوان ] والنّاس قد يكلّمون الطير والبهائم والكلاب والسّنانير والمراكب « 1 » ، وكلّ ما كان تحتهم من أصناف الحيوان التي قد خوّلوها وسخّرت لهم ، وربّما رأيت القرّاد يكلّم القرد بكلّ ضرب من الكلام ، ويطيعه القرد في جميع ذلك ، وكذلك ربّما رأيته يلقّن الببغاء ضروبا من الكلام ، والببغاء تحكيه ، وإنّ في غراب البين لعجبا ، وكذلك كلامهم للدب والكلب والشاة المكّيّة ، وهذه الأصناف التي تلقن وتحكي . 2183 - [ تكليم الأنبياء للحيوان ] وقد روى الناس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في كلام السّباع والإبل ضروبا ، ولم يذهبوا إلى أنها نطقت بحروف مقطّعة ، ولكنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم إما أن يكون اللّه أوحى إليه بحاجاتها ، وإمّا أن تكون فراسته وحسّه وتثبّته في الأمور ، مع ما يحضره اللّه من التوفيق ، بيّن له معانيها وجلّاها له ، واستدلّ بظاهر على باطن ، وبهيئة وحركة على موضع الحاجة ، وإمّا أن يكون اللّه ألهمه ذلك إلهاما . وأمّا جهة سليمان بن داود ، صلى اللّه على نبينا وعليه ، في المعرفة بمنطق الطير ومنطق كلّ شيء ، فلا ينبغي أن يكون ذلك إلّا أن يقوم منها في الفهم عنها مقام بعضها من بعض ، إذا كان اللّه قد خصّه بهذا الاسم ، وأبانه بهذه الدّلالة . وأعلام الرّسل لا يكثر عددها ، ولا تعظم أقدارها على أقدار فضائل الأنبياء ؛ لأن أكثر الأنبياء فوق سليمان بن داود ، وأدنى ذلك أنّ داود فوقه ، لأن الحكم في الوارث والمورّث ، والخليفة والذي استخلفه ، أن يكون الموروث أعلى ، والمستخلف أرفع . كذلك ظاهر هذا الحكم حتى يخصّ ذلك برهان حادث . وإنما تكثر العلامات وتعظم على قدر طبائع أهل الزمان ، وعلى قدر الأسباب التي تتّفق وتتهيّأ لقوم دون قوم ، وهو أن يكونوا جبابرة عتاة ، أو أغبياء منقوصين ، أو علماء معاندين ، أو فلاسفة محتالين ، أو قوما قد شملهم من العادات السيّئة وتراكم على قلوبهم من الإلف للأمور المردية « 2 » ، مع طول لبث ذلك في قلوبهم ، أو تكون نحلتهم وملتهم ودعوتهم تحتمل من الأسباب والاحتيالات أكثر ممّا يحتمل غيرها

--> ( 1 ) المراكب : أراد ما يركب من الدواب . ( 2 ) المردية : المهلكة .