الجاحظ

128

الحيوان

كَيْفَ خُلِقَتْ « 1 » ، وسمع بعض الجهال يقول : فكيف لو رأى الفيل ؟ فعذله قوم ، فقال منكة : لا تعذلوه فإنّه لا شكّ أنّ خلق الفيل أعجب ، فقيل له : فكيف لم يضرب به اللّه تعالى المثل دون البعير ؟ فقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام ، فقلت له : ليس الفيل بأعجب من البعير . واجعله يعجّب من البعير . وهو إنما خاطب العرب ، وهم الحجة على جميع أهل اللغات ، ثم تصير تلك المخاطبة لجميع الأمم بعد الترجمة على ألسنة هؤلاء العرب ، الذين بهم بدأت المخاطبة لجميع الأمم . وكيف يجوز أن يعجّب جماعة الأمم من شيء لم يروه قطّ ، ولا كان على ظهرها يوم نزلت هذه السورة رجل واحد كان قد شهد الفيل والحبشة . وعلى أنّ الفيل وافى مكّة وما بها أحد إلّا عبد المطلب في نفير من بقيّة النّاس ، ولا كانوا حيث يتأمّلون الفيل . وقد قال ناس : كان النّاس رجلين ، رجل قد سمع بهذا الخبر من رجالات قريش الذين يجترّون إلى أنفسهم بذلك التّعظيم ، كما كانت السّدنة تكذب للأوثان والأصنام والأنصاب ، لتجترّ بذلك المنافع ، ورجل لم يكن عنده علم بأنّ هذا الخبر باطل فلم يتقدّم على إنكار ذلك الخبر ، وجميع قريش تثبّته . قيل لهم : إنّ مكّة لم تزل دار خزاعة وبقايا جرهم وبقايا الأمم البائدة ، وكانت كنانة منها النّسأة ، وكانت مرّ بن أدّ من رهط صوفة والرّبيط منها أصحاب المزدلفة ، وإليهم كانت السّدانة ، وكانت عدوان وأبو سيّارة عميلة بن أعزل ، تدفع بالنّاس ، وقد كان بين خزاعة وبقايا جرهم ما كان حتى انتزعوا البيت منهم ، وقد كان بين ثقيف وقريش لقرب الدار والمصاهرة ، والتّشابه في الثروة والمشاكلة في المجاورة تحاسد وتنافر ، وقد كان هنالك فيهم المولى والحلفاء والقطّان والنازلة ، ومن يحجّ في كلّ عام ، وكان البيت مزورا على وجه الدهر ، يأتونه رجالا وركبانا وعلى كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق ، وبشقّ الأنفس ، كما قال اللّه تعالى : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ « 2 » ، وكانوا بقرب سوق عكاظ وذي المجاز ، وهما سوقان معروفان ، وما زالتا قائمين حتى جاء الإسلام ، فلا يجوز أن يكون السّالب والمسلوب ، والمفتخر به والمفتخر عليه ، والحاسد والمحسود ، والمتديّن به والمنكر له ، مع اختلاف الطبائع

--> ( 1 ) . 17 / الغاشية : 88 ، وفي عمدة الحفاظ 1 / 50 ( أب ل ) : « الإبل : هي النعم المعروفة ، وعن المبرد : هي السحائب . وقال أبو عمرو بن العلاء : من قرأ « الإبل » بالتخفيف عنى به البعير ، ومن قرأ بالتثقيل عنى بها السحاب التي تحمل ماء المطر » . ( 2 ) . 37 / إبراهيم : 14 .