الجاحظ

111

الحيوان

ولمّا رأيت الفيل ينظر قاصدا * ظننت بأنّ الفيل يلزمه الفرض قال أبو عثمان : وقد رأيت أنا في عين الفيل من صحّة الفهم والتأمّل إذا نظر بها ، وما شبهت نظره إلى الإنسان إلّا بنظر ملك عظيم الكبر راجح الحلم . وإذا أردت أن ترى من الفيل ما يضحك ، وتراه في أسخف حالاته وأجهله فألق إليه جوزة ، فإنّه يريد أن يأخذ بطرف خرطومه ، فإذا دنا منها تنفّس ، فإذا تنفّس طارت الجوزة من بين يديه ، ثم يدنو ثانية ليأخذها فيتنفس أخرى ، فتبعد عنه ، فلا يزال ذلك دأبه . 2143 - [ فضل الفيل على الفرس في الحرب ] قالوا : ويفضل الفيل الفرس في الحرب أنّ الفيل يحمي الجماعة كلهم ، ويقاتل ويرمي ويزجّ بالمزاريق « 1 » ، وله من الهول ما ليس للفرس ، وهو أحسن مطاوعة ، ولا يعرف بجماح ولا طماح ولا حران . والخيول العتاق ربّما قتلت الفرسان بالحران مرّة وبالإقدام مرّة ، وبسوء الطّاعة وشدّة الجزع ، وربّما شبّ الفرس بفارسه حتى يلقيه بين الحوافر والسّيوف ، للسّهم يصيبه والحجر يقع به . وما يشبه ظهر الفرس من ظهره ، وظهر الفيل منظرة من المناظر ومسلحة من المسالح . 2144 - [ عمر الفيل ] وفي الفيلة عجب آخر ، وذلك أنّ قصر الأعمار مقرون بالإبل والبراذين وبكلّ خلق عظيم . وكلّ شيء يعايش النّاس في دورهم وقراهم ومنازلهم فالناس أطول أعمارا منها ، كالجمل ، والفرس والبرذون ، والبغل والحمار ، والثّور والشّاة ، والكلب والدّجاج ، وكلّ صغير وكبير ، إلا الفيل فإنّه أطول عمرا . والفيل أعظم من جميع الحيوان جسما وأكثر أكلا ، وهو يعيش مائة السنة ومائتي السنّة . وزعم صاحب المنطق في كتاب الحيوان أنّه قد ظهر فيل عاش أربعمائة سنة . فالفيل في هذا الوجه يشارك الضّباب والحيّات والنّسور ، وإذا كان كذلك فهو فوق الورشان وعير العانة - وهو من المعمّرين وفوق المعمّرين - وهو مع ذلك أعظم الحيوان بدنا ، وأطولها عمرا .

--> ( 1 ) المزراق : رمح قصير .