الجاحظ
112
الحيوان
2145 - [ الأسد والفيل ] وقال بعض من يستفهم ويحب التّعلم : ما بال الأسد إذا رأى الفيل علم أنّه طعام له ، وإذا رأى النّمر والببر لم يكونا عنده كذلك ؟ وكيف وهو أعظم وأضخم وأشنع وأهول ؟ فإن كان الأسد إنما اجترأ عليه لأنّه من لحم ودم ، واللّحم طعامه والدّم شرابه . فالببر والنّمر من لحم ودم ، وهما أقلّ من هؤلاء وأقمأ جسما . قال القوم : ومتى قدّر الأسد في الفيل أنه إذا قاتله غلبه ، وإذا غلبه قتله ، وإذا قتله أكله ؟ وقد نجد الببر فوق الأسد وهو لا يعرض له . والأسد فوق الكلب وهو يشتهي لحمه ، ويشتهي لحم الفهد بأكثر ممّا يشتهي لحم الضّبع والذئب ، وليست علّته المواثبة التي ذهبتم إليها . 2146 - [ معرفة الحيوان ] فأمّا علم جميع الحيوان بمواضع ما يعيشها ، فمن علّم البعوضة أنّ من وراء ظاهر جلد الجاموس دما ، وإنّ ذلك الدم غذاء لها ، وأنّها متى طعنت في ذلك الجلد الغليظ الشّثن « 1 » ، الشديد الصّلب ، أن خرطومها ينفذ فيه على غير معاناة « 2 » . ولو أن رجلا منّا طعن جلده بشوكة لانكسرت الشّوكة قبل أن تصل إلى موضع الدم . وهذا باب يدرك بالحسّ وبالطبع وبالشبه وبالخلقة . والذي سخّر لخرطوم البعوضة جلد الجاموس ، هو الذي سخّر الصخرة لذنب الجرادة ، وهو الذي سخّر قمقم النّحاس لإبرة العقرب . 2147 - [ علة عدم تلاقح الفيلة بالعراق ] وقال بعض خصماء الهند : لو كانت الفيلة لا تتلاقح عندنا بالعراق لأنها هنديّة لتغيّر الهواء والأرض ، فعقر ذلك أرحامها ، وأعقم أصلابها لكان ينبغي للطواويس أن لا تتزاوج عندنا ولا تبيض ولا تفرخ . ونحن قد نصيد البلابل والدباسيّ ، والوارشين ، والفواخت والقمارى والقبج والدّرّاج ، فلا تتسافد عندنا في البيوت ، وهي من أطيار بساتيننا وضياعنا ، ولا تتلاقح إذا اصطدناها كرارزة « 3 » ، بل لا تصوّت ولا تغنّي ولا تنوح ، وتبقى عندنا وحشيّة كمدة ما عاشت ، فإن أخذناها فراخا زاوجت وعشّشت
--> ( 1 ) الشثن : الغليظ . ( 2 ) ربيع الأبرار 5 / 461 . ( 3 ) الكرارزة : جمع كرز ، وهو من الطير الذي أتى عليه حول .