الجاحظ
8
الحيوان
وحدث له كثافة ، إلى أن تعود أجزاؤه مطرا . فالماء ضدّ النار ، والهواء خلاف لهما ، وليس بضدّ . ولا يجوز أن ينقلب الجوهر إلى ضده حتى ينقلب بديّا إلى خلافه . فقد يستقيم أن ينقلب الماء هواء ، ثم ينقلب الهواء نارا ، وينقلب الهواء ماء ، ثم ينقلب الماء أرضا . فلا بدّ في الانقلاب من الترتيب والتدريج . وكلّ جوهر فله مقدمات ؛ لأن الماء قد يحيل الطين صخرا ، وكذلك في العكس ، فلا يستحيل الصخر هواء ، والهواء صخرا ، إلا على هذا التنزيل والترتيب . وقال أبو إسحاق لمن قال بذلك من حذّاق أصحاب الأعراض : قد زعمتم أن النار التي عاينّاها لم تخرج من الحطب ، ولكنّ الهواء المحيط بهما احتدم واستحال نارا . فلعلّ الحطب الذي يسيل منه الماء الكثير ، أن يكون ذلك الماء لم يكن في الحطب ، ولكنّ ذلك المكان من الهواء استحال ماء . وليس ذلك المكان من الهواء أحقّ بأن يستحيل ماء من أن يكون سبيل الدخان في الاستحالة سبيل النار والماء . فإن قاس القوم ذلك ، فزعموا أن النار التي عاينّاها ، وذلك الماء والدخان في كثافة الدخان وسواده ، والذي يتراكم منه في أسافل القدور وسقف المطابخ إنما ذلك هواء استحال ، فلعلّ الرماد أيضا ، هواء استحال رمادا . فإن قلتم : الدّخان في أول ثقله المتراكم على أسافل القدور ، وفي بطون سقف مواقد الحمامات ، الذي إذا دبّر ببعض التدبير جاء منه الأنقاس [ 1 ] العجيبة أحق بأن استحال أرضيّا . فإن قاس صاحب العرض ، وزعم أن الحطب انحلّ بأسره ، فاستحال بعضه رمادا كما قد كان بعضه رمادا مرة ، واستحال بعضه ماء كما كان بعضه ماء مرة ، وبعضه استحال أرضا ، كما كان بعضه أرضا مرة ، ولم يقل إن الهواء المحيط به استحال رمادا ، ولكنّ بعض أخلاط الحطب استحال رمادا ودخانا ، وبعض الهواء المتصل به استحال ماء وبعضه استحال نارا ، على قدر العوامل ، وعلى المقابلات له . وإذا قال صاحب العرض ذلك كان قد أجاب في هذه الساعة على حدّ ما نزّلته لك . وهذا باب من القول في النار . وعلينا أن نستقصي للفريقين واللّه المعين . 1270 - [ ردّ على منكري كمون النار في الحطب ] وباب آخر ، وهو أن بعض من ينكر كمون النار في الحطب قالوا : إن هذا الحرّ
--> [ 1 ] الأنقاس : جمع نقس ، وهو المداد .