الجاحظ

9

الحيوان

الذي رأيناه قد ظهر من الحطب ، لو كان في الحطب لكان واجبا أن يجده من مسّه كالجمر المتوقد ، إذا لم يكن دونه مانع منه . ولو كان هناك مانع لم يكن ذلك المانع إلا البرد ؛ لأن اللون والطعم والرائحة لا يفاسد الحرّ ، ولا يمانعه إلا الذي يضادّه ، دون الذي يخالفه ولا يضاده . فإن زعم زاعم أنه قد كان هناك من أجزاء البرد ما يعادل ذلك الحرّ ويطاوله ، ويكافيه ويوازيه ؛ فلذلك صرنا إذا مسسنا الحطب لم نجده مؤذيا ، وإنما يظهر الحرق ويحرق لزوال البرد ، إذا قام في مكانه وظهر الحرّ وحده فظهر عمله . ولو كان البرد المعادل لذلك الحرّ مقيما في العود على أصل كمونة فيه . لكان ينبغي لمن مسّ الرّماد بيده أن يجده أبرد من الثلج . فإذا كان مسه كمسّ غيره ، فقد علمنا أنه ليس هناك من البرد ما يعادل هذا الحرّ الذي يحرق كلّ شيء لقيه . فإن زعم أنهما خرجا جميعا من العود ، فلا يخلو البرد أن يكون أخذ في جهته ، فلم وجدنا الحرّ وحده وليس هو بأحق أن نجده من ضدّه . وإن كان البرد أخذ شمالا ، وأخذ الحرّ جنوبا ، فقد كان ينبغي أن يجمد ويهلك ما لاقاه ، كما أهلك الحر وأحرق وأذاب كلّ ما لاقاه . قالوا : فلما وجدنا جميع أقسام هذا الباب ، علمنا أن النار لم تكن كامنة في الحطب . قال أبو إسحاق : والجواب عن ذلك أنا نزعم أن الغالب على العالم السفليّ الماء والأرض ، وهما جميعا باردان ، وفي أعماقهما وأضعافهما من الحر ما يكون مغمورا ولا يكون غامرا ، ويكون مقموعا ولا يكون قامعا ؛ لأنه هناك قليل ، والقليل ذليل ، والذليل غريب ، والغريب محقور . فلما كان العالم السفلي كذلك ، اجتذب ما فيه من قوة البرد وذلك البرد الذي كان في العود عند زوال مانعه ؛ لأن العود مقيم في هذا العالم . ثم لم ينقطع ذلك البرد إلى برد الأرض ، الذي هو كالقرص له ، إلا بالطّفرة [ 1 ] والتخليف [ 2 ] ، لا بالمرور على الأماكن والمحاذاة لها وقام برد الماء منه مقام قرص الشمس من الضياء الذي يدخل البيت للخرق الذي يكون فيه ، فإذا سدّ فمع السّدّ ينقطع إلى قرصه ، وأصل جوهره .

--> [ 1 ] الطفرة : الوثبة . [ 2 ] التخليف : التّرك .