الجاحظ
216
الحيوان
فإن شئت فأقم بمكانك شهرا أو شهرين ، فعسى أن نبعث إليك ببعض ما يكفيك زمنا من دهرك . وإن اشتهيت الرّجوع فهذه ثلاثون مثقالا ، فخذها وانصرف ، وأنت أحقّ من عذر . قال : فهجم واللّه عليّ أمر كاد ينقضني . أما واحدة : فأنّي لم أكن ملكت قبل ذلك ثلاثين دينارا في جميع دهري . والثّانية : أنّه لم يطلع مقامي وغيبتي عن وطني ، وعن أصحابي الذين هم على حال أشكل بي وأفهم عنّي . والثّالثة : ما بيّن لي من أنّ الطيرة باطل ؛ وذلك أنّه قد تتابع عليّ منها ضروب ، والواحدة منها كانت عندهم معطبة . قال : وعلى مثل ذلك الاشتقاق يعمل الذين يعبّرون الرّؤيا . 868 - [ ضروب من العجب في غربان البصرة ] وبالبصرة من شأن الغربان ضروب من العجب ، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات [ 1 ] : لكان عندهم من أجود الطّلّسم . وذلك أنّ الغربان تقطع إلينا في الخريف ، فترى النّخل وبعضها مصرومة [ 2 ] ، وعلى كلّ نخلة عدد كثير من الغربان ، وليس منها شيء يقرب نخلة واحدة من النّخل الذي لم يصرم ، ولو لم يبق عليها إلا عذق واحد . وإنّما أوكار جميع الطير المصوّت في أقلاب تلك النّخل ، والغراب أطير وأقوى منها ثم لا يجترئ أن يسقط على نخلة منها ، بعد أن يكون قد بقي عليها عذق واحد . 869 - [ منقار الغراب ] ومنقار الغراب معول ، وهو شديد النّقر . وإنّه ليصل إلى الكمأة المندفنة في الأرض بنقرة واحدة حتى يشخصها . ولهو أبصر بمواضع الكمأة من أعرابيّ يطلبها في منبت الإجردّ [ 3 ] والقصيص [ 4 ] ، في يوم له شمس حارّة . وإن الأعرابيّ ليحتاج إلى أن
--> [ 1 ] الشامات : بلاد الشام . [ 2 ] صرم : قطع « القاموس : صرم » . [ 3 ] الإجرد : نبت يدل على الكمأة ، واحدته إجردّة ، وقال النضر : الإجرد : بقل ، يقال : له حب كأنه الفلفل . « اللسان : جرد » . [ 4 ] القصيص : جمع قصيصة ، وهي شجرة تنبت في أصلها الكمأة ، وقد يجعل غسلا للرأس . « اللسان : قصص » .