الجاحظ

217

الحيوان

يرى ما فوقها من الأرض فيه بعض الانتفاخ والانصداع ، وما يحتاج الغراب إلى دليل . وقال أبو دؤاد الإياديّ [ 1 ] : [ من البسيط ] تنفي الحصى صعدا شرقي منسمها * نفي الغراب بأعلى أنفه الغردا ولو أنّ اللّه عزّ وجلّ أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها الثّمرة لذهبت ، وفي ذلك الوقت لو أنّ إنسانا نقر العذق نقرة واحدة لانتثر عامّة ما فيه ، ولهلكت غلّات الناس . ولكنّك ترى منها على كلّ نخلة مصرومة الغربان الكثيرة ، ولا ترى على التي تليها غرابا واحدا ، حتى إذا صرموا ما عليها تسابقن إلى ما سقط من التمر في جوف الليف وأصول الكرب [ 2 ] لتستخرجه كما يستخرج المنتاخ [ 3 ] الشّوك . 870 - [ حوار في نفور الغربان من النخل ] فإن قال قائل : إنما أشباح تلك الأعذاق المدلّاة كالخرق السّود التي تفزع الطير أن يقع على البزور ، وكالقودام السّود تغرز في أسنمة ذوات الدبر من الإبل ، لكيلا تسقط عليها الغربان . فكأنها إذا رأت سواد الأعذاق فزعت كما يفزع الطير من الخرق السّود . قال الآخر : قد نجد جميع الطير الذمي يفزع بالخرق السّود فلا يسقط على البزور ، يقع كله على النخل وعليه الحمل ، وهل لعامّة الطيّر وكور إلا في أقلاب النّخل ذوات الحمل . قال الآخر : يشبه أن تكون الغربان قطعت إلينا من مواضع ليس فيها نخل ولا أعذاق ، وهذا الطير الذي يفزع بالخرق السّود إنّما خلقت ونشأت في المواضع التي لم تزل ترى فيها النّخيل والأعذاق . ولا نعرف لذلك علة سوى هذا . قال الآخر : وكيف يكون الشأن كذلك ومن الغربان غربان أوابد بالعراق فلا تبرح تعشّش في رؤوس النّخل ، وتبيض وتفرخ ، إلّا أنّها لا تقرب النّخلة التي يكون عليها الحمل .

--> [ 1 ] ديوان أبي دؤاد 308 . [ 2 ] الكرب : أصول السعف الغلاظ العراض التي تيبس فتصير مثل الكتف ؛ واحدتها كربة . « اللسان : كرب » . [ 3 ] المنتاخ : المنقاش ، والنتخ : إخراج الشوك بالمنتاخ . « اللسان : نتخ » .