الجاحظ

211

الحيوان

وقال عنترة [ 1 ] : [ من الكامل ] ظعن الذين فراقهم أتوقّع * وجرى ببينهم الغراب الأبقع حرق الجناح كأنّ لحيي رأسه * جلمان بالأخبار هشّ مولع فزجرته ألّا يفرّخ بيضه * أبدا ويصبح خائفا يتفجّع إنّ الذين نعبت لي بفراقهم * هم أسهروا ليلى التّمام فأوجعوا فقال : « وجرى ببينهم الغراب » لأنّه غريب ، ولأنه غراب البين ، ولأنّه أبقع . ثم قال : « حرق الجناح » تطيرا أيضا من ذلك . ثمّ جعل لحيي رأسه جلمين ، والجلم يقطع . وجعله بالأخبار هشّا مولعا ، وجعل نعيبه وشحيجه كالخبر المفهوم . 862 - [ التشاؤم بالغراب ] قال : فالغراب أكثر من جميع ما يتطيّر به في باب الشؤم . ألا تراهم كلما ذكروا ممّا يتطيرون منه شيئا ذكروا الغراب معه ! وقد يذكرون الغراب ولا يذكرون غيره ، ثم إذا ذكروا كلّ واحد من هذا الباب لا يمكنهم أن يتطيروا منه إلّا من وجه واحد ، والغراب كثير المعاني في هذا الباب ، فهو المقدّم في الشؤم . 863 - [ دفاع صاحب الغراب ] قال صاحب الغراب : الغراب وغير الغراب في ذلك سواء . والأعرابيّ إن شاء اشتقّ من الكلمة ، وتوهّم فيها الخير ، وإن شاء اشتقّ منها الشرّ . وكلّ كلمة تحتمل وجوها . ولذلك قال الشاعر : [ من الطويل ] نظرت وأصحابي ببطن طويلع * ضحيّا وقد أفضى إلى اللّبب الحبل [ 2 ] إلى ظبية تعطو سيالا تصوره * يجاذبها الأفنان ذو جدد طفل [ 3 ]

--> [ 1 ] ديوان عنترة 48 ، والأول والثاني في اللسان والتاج ( بين ) ، والثاني في اللسان ( حرق ) ، وهو بلا نسبة في أساس البلاغة ( حرق ) ، والمخصص 1 / 73 ، والجمهرة 519 . [ 2 ] طويلع : هضبة بمكة ، وواد في طريق البصرة إلى اليمامة ، وموضع بنجد . ( معجم البلدان 4 / 51 ) . الحبل : الرمل المستطيل . « القاموس : حبل » . اللبب : ما استرق من الرمل . « القاموس : لبب » . [ 3 ] السيال : نبات له شوك أبيض طويل . « القاموس : سيل » . الجدد : الخطوط . « القاموس : جدد » .