الجاحظ
193
الحيوان
835 - [ أعجب من نوم الذبان ] وليس في جميع ما رأينا وروينا ، في ضروب نوم الحيوان ، أعجب من نوم الذّبّان ، وذلك أنّها ربما جعلت مأواها بالليل دروند الباب [ 1 ] وقد غشّوه ببطانة ساج [ 2 ] أملس كأنّه صفاة ، فإذا كان اللّيل لزقت به ، وجعلت قوائمها مما يليه ، وعلّقت أبدانها إلى الهواء . فإن كانت لا تنام البتّة ولا يخالطها عزوب [ 3 ] المعرفة فهذا أعجب : أن تكون أمّة من أمم الحيوان لا تعرف النّوم ، ولا تحتاج إليه . وإن كانت تنام ويعزب عنها ما يعزب [ 3 ] عن جميع الحيوان سوى ما ذكرنا ، فما تخلو من أن تكون قابضة على مواضع قوائمها ، ممسكة بها ، أو تكون مرسلة لها مخلّية عنها . فإن كانت مرسلة لها فكيف لم تسقط وهي أثقل من الهواء ؟ ! وإن كانت ممسكة لها فكيف يجامع التشدّد والتثبيت النّوم ؟ ! . 836 - [ بعض ما يعتري النائم ] ونحن نرى كلّ من كان في يده كيس أو درهم أو حبل ، أو عصا فإنّه متى خالط عينيه النّوم استرخت يده وانفتحت أصابعه . ولذلك يتثاءب المحتال للعبد الذي في يده عنان دابّة مولاه ، ويتناوم له وهو جالس ؛ لأنّ من عادة الإنسان إذا لم يكن بحضرته من يشغله ، ورأى إنسانا قبالته ينود [ 4 ] أو ينعس ، أن يتثاءب وينعس مثله . فمتى استرخت يده أو قبضته عن طرف العنان ، وقد خامره سكر النّوم ، ومتى صار إلى هذه الحال - ركب المحتال الدّابّة ومرّ بها .
--> [ 1 ] في اللسان « نجف » : ( النجاف هو أسكفّة الباب ، قال الأزهري : هو درونده أي أعلاه ) . [ 2 ] الساج : الطيلسان الأخضر أو الأسود « القاموس : ساج » . [ 3 ] عزب : بعد وغاب « القاموس : عزب » . [ 4 ] ينود : يتمايل من النعاس . « القاموس : نود » .