الجاحظ
194
الحيوان
باب القول في الغربان اللهم جنبنا التكلّف ، وأعذنا من الخطأ ، واحمنا العجب بما يكون منه ، والثّقة بما عندنا ، واجعلنا من المحسنين . نذكر على اسم اللّه جمل القول في الغربان ، والإخبار عنها ، وعن غريب ما أودعت من الدّلالة ، واستخزنت من عجيب الهداية . وقد كنّا قدّمنا ما تقول العرب في شأن منادمة الغراب والدّيك وصداقته له ، وكيف رهنه عند الخمّار ، وكيف خاس به وسخر منه وخدعه وكيف خرج سالما غير غارم ، وغانما غير خائب ، وكيف ضربت به العرب الأمثال ، وقالت فيه الأشعار ، وأدخلته في الاشتقاق لزجرها عند عيافتها وقيافتها ، وكيف كان السبب في ذلك . 837 - [ ذكر الغراب في القرآن ] فهذا إلى ما حكى اللّه عزّ وجلّ من خبر ابني آدم ، حين قرّبا قربانا فحسد الذي لم يتقبّل منه المتقبل منه ، فقال عندما همّ به من قتله ، وعند إمساكه عنه ، والتّخلية بينه وبين ما اختار لنفسه : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ [ 1 ] . ثم قال : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [ 2 ] حتّى قال القائل ، وهو أحد ابني آدم ما قال : فلو لا أنّ للغراب فضيلة وأمورا محمودة ، وآلة وسببا ليس لغيره من جميع الطّير لما وضعه اللّه تعالى في موضع تأديب الناس ، ولما جعله الواعظ والمذكّر بذلك . وقد قال اللّه عزّ وجلّ :
--> [ 1 ] 29 / المائدة : 5 . [ 2 ] 30 - 31 / المائدة : 5 .