الجاحظ

19

الحيوان

فعلى عليّ رضي اللّه تعالى عنه - يعوّل في تنزيه اللفظ وتشريف المعاني . وقال أبو بكر - رضي اللّه عنه - حين قال بديل بن ورقاء للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم : جئتنا بعجرائك وسودانك ، ولو قد مسّ هؤلاء وخز السّلاح لقد أسلموك ! فقال أبو بكر - رضي اللّه عنه - : عضضت ببظر اللّات [ 1 ] ! وقد رووا مرفوعا قوله : « من يعذرني من ابن أمّ سباع مقطّعة البظور ؟ » [ 2 ] . 563 - [ لكلّ مقام مقال ] ولو كان ذلك الموضع موضع كناية هي المستعملة . وبعد فلو لم يكن لهذه الألفاظ مواضع استعملها أهل هذه اللّغة وكان الرأي ألّا يلفظ بها ، لم يكن لأوّل . كونها معنى إلّا على وجه الخطأ ، ولكان في الحزم والصّون لهذه اللّغة أن ترفع هذه الأسماء منها . وقد أصاب كلّ الصّواب الذي قال : « لكلّ مقام مقال » [ 3 ] . 564 - [ الورع الذي يبغضه اللّه تعالى ] ولقد دخل علينا فتى حدث كان قد وقع إلى أصحاب عبد الواحد بن زيد ونحن عند موسى بن عمران ، فدار الحديث إلى أن قال الفتى : أفطرت البارحة على رغيف وزيتونة ونصف ، أو زيتونة وثلث ، أو زيتونة وثلثي زيتونة ، أو ما أشبه ذلك . بل أقول : أكلت زيتونة ، وما علم اللّه من أخرى ، فقال موسى : إنّ من الورع ما يبغصه اللّه ، علم اللّه ؛ وأظنّ ورعك هذا من ذلك الورع . وكان العتبي ربّما قال : فقال لي المأمون كذا وكذا ، حين صار النّجم على قمّة الرأس ، أو حين جازني شيئا ، أو قبل أن يوازي هامتي . هكذا هو عندي ، وفي أغلب ظنّي ، وأكره أن أجزم على شيء وهو كما قلت إن شاء اللّه تعالى ، وقريبا ممّا نقلت . فيتوقف في الوقت الذي ليس من الحديث في شيء . وذلك الحديث إن كان مع طلوع الشمس لم يزده ذلك خيرا ، وإن كان مع غروبها لم ينقصه ذلك شيئا . هذا ولعلّ الحديث في نفسه لم يكن قطّ ولم يصل هو في تلك الليلة البتّة . وهو مع ذلك زعم أنّه دخل على أصحاب الكهف فعرف عددهم ، وكانت عليهم ثياب سبنيّة

--> [ 1 ] رسائل الجاحظ 2 / 93 ، والنهاية 1 / 138 . [ 2 ] يروى هذا القول لحمزة بن عبد المطلب في رسائل الجاحظ 2 / 93 ، والمعارف 317 . [ 3 ] رسائل الجاحظ 2 / 93 ، ومجمع الأمثال 2 / 198 ، والمستقصى 2 / 293 ، والفاخر 314 .