الجاحظ
160
الحيوان
يغمز ، ولم يخدش . وإنّما هو على قدر منافرة الطّباع للطباع ، وعلى قدر القرابة والمشاكلة . 786 - [ الأصوات المكروهة ] وقد نجد الإنسان يغتمّ بتنقّض [ 1 ] الفتيلة وصوتها عند قرب انطفاء النار ، أو لبعض البلل يكون قد خالط الفتيلة ، ولا يكون الصّوت بالشّديد ، ولكنّ الاغتمام به ، والتكرّه له ويكون في مقدار ما يعتريه من أشدّ الأصوات . ومن ذلك المكروه الذي يدخل على الإنسان من غطيط النّائم ، وليست تلك الكراهة لعلّة الشّدّة والصّلابة ، ولكن من قبل الصّورة والمقدار ، وإن لم يكن من قبل الجنس . وكذلك صوت احتكاك الآجرّ الجديد بعضه ببعض . وكذلك شجر الآجام [ 2 ] على الأجراف [ 3 ] ؛ فإنّ النّفس تكرهه كما تكره صوت الصّاعقة . ولو كان على ثقة من السّلامة من الاحتراق ، لما احتفل بالصّاعقة ذلك الاحتفال . ولعلّ ذلك الصّوت وحده ألّا يقتله . فأمّا الذي نشاهد اليوم الأمر عليه ، فإنّه متى قرب منه قتله . ولعلّ ذلك إنّما هو لأنّ الشّىء إذا اشتدّ صدمه فسخ القوّة أو لعلّ الهواء الذي فيه الإنسان والمحيط به أن يحمى ويستحيل نارا للذي قد شارك ذلك الصّوت من النّار . وهم لم يجدوا الصّوت شديدا جدّا إلّا ما خالط منه النّار . 787 - [ ما يقتات بالذّباب ] وقال ابن حرب : الذّبّان قوت خلق كثير من خلق اللّه عزّ وجلّ ، وهو قوت الفراريج ، والخفافيش ، والعنكبوت ، والخلد ، وضروب كثيرة من الهمج ، همج الطير ، وحشرات السّباع . فأمّا الطّير والسّودانيّات ، والحصانيّات [ 4 ] ، والشاهمركات [ 5 ] ، وغير ذلك من أصناف الطّير ؛ وأمّا الضّباع - فإنّها تأكل الجيف ، وتدع في أفواهها فضولا ، وتفتح أفواهها للذّبّان ، فإذا احتشت ضمّت عليها . فهذه إنّما تصيد الذّبّان بنوع واحد ، وهو الاختطاف والاختلاس ، وإعجالها عن الوثوب إذا تلقّطته بأطراف المناقير ، أو كبعض ما ذكرنا من إطباق الفم عليها .
--> [ 1 ] تنقضت الفتيلة : صوتت . انظر القاموس « نقض » . [ 2 ] الآجام : الشجر الكثير الملتف « القاموس : أجم » . [ 3 ] الجرف : المكان الذي لا يأخذه السيل « القاموس : جرف » . [ 4 ] الحصانيات : طير « القاموس : حصن » . [ 5 ] الشاهمرك : يعني ملك الطير ؛ وهو الفتي من الدجاج حياة الحيوان 1 / 594 .