الجاحظ
161
الحيوان
فأمّا الصّيد الذي ليس للكلب ، ولا لعناق الأرض [ 1 ] ، ولا للفهد ، ولا لشيء من ذوات الأربع مثله في الحذق والختل والمداراة ، وفي صواب الوثبة ، وفي التسدّد وسرعة الخطف ، فليس مثل الذي يقال له الليث ، وهو الصّنف المعروف من العناكب بصيد الذّبّان ؛ فإنّك تجده إذا عاين الذّبّان ساقطا ، كيف يلطأ [ 2 ] بالأرض ، وكيف يسكّن جميع جوارحه للوثبة ، وكيف يؤخّر ذلك إلى وقت الغرّة ، وكيف يريها أنّه عنها لاه ؛ فإنّك ترى من ذلك شيئا لم تر مثله من فهد قطّ ، وإن كان الفهد موصوفا منعوتا . واعلم أنّه قد ينبغي ألّا يكون في الأرض شيء أصيد منه ؛ لأنّه لا يطير ، ولا يصيد إلّا ما يطير ! ويصيد طائرا شديد الحذر ، ثمّ يصيد صيّادا ! لأن الذّباب يصيد البعوض . وخديعتك للخدّاع أعجب ، ومكرك بالماكر أغرب ! فكذلك يكون صيد هذا الفن من العنكبوت . وزعم الجرداني أنّ الوزغ تختل الذّبان ، وتصيدها صيدا حسنا شبيها بصيد اللّيث . قال : والزّنبور حريص على صيد الذّبّان ، ولكنه لا يطمع فيها إلّا أن تكون ساقطة على خرء ، دون كلّ تمر وعسل ؛ لشدّة عجبها بالخرء ، وتشاغلها به ! فعند ذلك يطمع فيه الزنبور ويصيده . وزعم الجرداني وتابعه كيسان : أنّ الفهد إنما أخذ ذلك عن اللّيث . ومتى رآه الفهد يصيد الذّبّان حتى تعلّم منه ؟ ! فظننت أنّهما قلّدا في ذلك بعض من إذا مدح شيئا أسرف فيه . 788 - [ تقليد الحيوان للحيوان ] ويزعمون أنّ السّبع الصّيود إذا كان مع سبع هو أصيد منه ، تعلّم منه وأخذ عنه . وهذا لم أحقّه . فأمّا الذي لا أشكّ فيه فأنّ الطائر الحسن الصّوت الملحّن ، إذا كان مع نوائح الطّير ومغنّياتها ، فكان بقرب الطّائر من شكله ، وهو أحذق منه وأكرز وأمهر ، جاوبه وحكاه ، وتعلّم منه ، أو صنع شيئا يقوم مقام التعلّم .
--> [ 1 ] عناق الأرض : دويبة أصغر من الفهد ، يصيد كل شيء ، حتى الطير ، حياة الحيوان 2 / 79 . [ 2 ] لطأ : لصق « القاموس : لطأ » .