الجاحظ
126
الحيوان
فيقصّه المبتاع حينا ، فما هو إلّا أن يجد في جناحه قوّة على النّهوض حتّى أراه أتاني جادفا أو غير جادف [ 1 ] . وربّما فعلت ذلك به مرارا كثيرة ، كلّ ذلك لا يزداد إلّا وفاء . قال أبو إسحاق : أمّا أنت فأراك دائبا تحمده وتذمّ نفسك . ولئن كان رجوعه إليك من الكرم إنّ إخراجك له من اللّؤم ! وما يعجبني من الرّجال من يقطع نفسه لصلة طائر ، وينسى ما عليه في جنب ما للبهيمة . ثم قال : خبّرني عنك حين تقول : رجع إليّ مرّة بعد مرّة ، وكلما زهدت فيه كان فيّ أرغب ، وكلّما باعدته كان لي أطلب ؛ إليك جاء ، وإليك حنّ أم إلى عشّه الذي درج منه ، وإلى وكره الذي ربّي فيه ؟ ! أرأيت أن لو رجع إلى وكره وبيته ثمّ لم يجدك ، وألفاك غائبا أو ميّتا ، أكان يرجع إلى موضعه الذي خلّفه ؟ ! وعلى أنّك تتعجّب من هدايته ، وما لك فيه مقال غيره . فأمّا شكرك على إرادته لك ، فقد تبيّن خطاؤك فيه ، وإنما بقي الآن حسن الاهتداء ، والحنين إلى الوطن . 720 - [ هداية الرخم ] وقد أجمعوا على أنّ الرّخم من لئام الطير وبغاثها ، وليست من عتاقها وأحرارها ، وهي من قواطع الطّير ، ومن موضع مقطعها إلينا ثمّ مرجعها إليه من عندنا ، أكثر وأطول من مقدار أبعد غايات حمامكم . فإن كانت وقت خروجها من أوطانها إلينا خرجت تقطع الصّحارى والبراريّ والجزائر والغياض والبحار والجبال ، حتّى تصير إلينا في كلّ عام - فإن قلت إنّها ليست تخرج إلينا على سمت ولا على هداية ولا دلالة ، ولا على أمارة وعلامة ، وإنما هربت من الثّلوج والبرد الشّديد ، وعلمت أنّها تحتاج إلى الطّعم ، وأنّ الثّلج قد ألبس ذلك العالم ، فخرجت هاربة فلا تزال في هربها إلى أن تصادف أرضا خصبا دفئا ، فتقيم عند أدنى ما تجد - فما تقول فيها عند رجوعها ومعرفتها بانحسار الثلوج عن بلادها ؟ ! أليست قد اهتدت طريق الرّجوع ! ؟ ومعلوم عند أهل تلك الأطراف ، وعند أصحاب التّجارب وعند القانص ، أنّ طير كلّ جهة إذا قطعت رجعت إلى بلادها وجبالها وأوكارها ، وإلى غياضها وأعشّتها . فتجد هذه الصّفة في جميع القواطع من الطّير ، كرامها كلئامها ، وبهائمها كسباعها . ثمّ لا يكون اهتداؤها على تمرين وتوطين ، ولا عن تدريب وتجريب ، ولم تلقّن بالتّعليم ، ولم تثبّت بالتّدبير والتقويم . فالقواطع لأنفسها تصير إلينا ، ولأنفسها تعود إلى أوكارها .
--> [ 1 ] جدف الطائر : طار وهو مقصوص « القاموس : جدف » .