الجاحظ

127

الحيوان

وكذلك الأوابد من الحمام ، لأنفسها ترجع . وإلفها للوطن إلف مشترك مقسوم على جميع الطّير . فقد بطل جميع ما ذكرت . 721 - [ قواطع السمك ] ثمّ قال : وأعجب من جميع قواطع الطّير قواطع السّمك ، كالأسبور والجواف والبرستوج ، فإنّ هذه الأنواع تأتي دجلة البصرة من أقصى البحار ، تستعذب الماء في ذلك الإبّان ، كأنها تتحمّض بحلاوة الماء وعذوبته ، بعد ملوحة البحر ؛ كما تتحمّض الإبل فتتطلب الحمض - وهو ملح - بعد الخلّة - وهو ما حلا وعذب . 722 - [ طلب الأسد للملح ] والأسد إذا أكثرت من حسو الدّماء - والدّماء حلوة - وأكل اللّحم واللّحم حلو - طلبت الملح لتتملّح به ، وتجعله كالحمض بعد الخلّة . ولولا حسن موقع الملح لم يدخله النّاس في أكثر طعامهم . والأسد يخرج للتملّح فلا يزال يسير حتّى يجد ملّاحة . وربّما اعتاد الأسد مكانا فيجده ممنوعا ، فلا يزال يقطع الفراسخ الكثيرة بعد ذلك فإذا تملّح رجع إلى موضعه وغيضته وعرينه ، وغابه وعرّيسته ، وإن كان الذي قطع خمسين فرسخا . 723 - [ قواطع السمك ] ونحن بالبصرة نعرف الأشهر التي يقبل إلينا فيها هذه الأصناف وهي تقبل مرّتين في كلّ سنة ، ثمّ نجدها في إحداهما أسمن الجنس ، فيقيم كلّ جنس منها عندنا شهرين إلى ثلاثة أشهر ، فإذا مضى ذلك الأجل ، وانقضت عدّة ذلك الجنس ، أقبل الجنس الآخر . فهم في جميع أقسام شهور السّنة من الشتاء والربيع ، والصّيف والخريف ، في نوع من السّمك غير النّوع الآخر . إلّا أن البرستوج يقبل إلينا قاطعا من بلاد الزّنج ، يستعذب الماء من دجلة البصرة ، يعرف ذلك جميع الزّنج والبحريّين . 724 - [ بعد بلاد الزّنج والصّين عن البصرة ] وهم يزعمون أنّ الذي بين البصرة والزّنج ، أبعد مما بين الصّين وبينها . وإنما غلط ناس فزعموا أنّ الصّين أبعد ، لأن بحر الزّنج حفرة واحدة عميقة واسعة ، وأمواجها عظام ، ولذلك البحر ريح تهبّ من عمان إلى جهة الزّنج شهرين ، وريح تهبّ من بلاد الزّنج تريد جهة عمان شهرين ، على مقدار واحد فيما بين الشّدّة