الجاحظ
100
الحيوان
والوارشين حمام كلّه ، قلنا : إنّا نزعم أنّ ذكورة التّدارج وذكورة القبج ، وذكورة الحجل ديوك كلها . فإن كان ذلك كذلك ، فالفخر بالطّوق نحن أولى به . قال صاحب الحمام [ 1 ] : العرب تسمّي هذه الأجناس كلها حماما ، فجمعوها بالاسم العامّ ، وفرّقوها بالاسم الخاص ، ورأينا صورها متشابهة ، وإن كان في الأجسام بعض الاختلاف ، وفي الجثث بعض الائتلاف وكذلك المناقير . ووجدناها تتشابه من طريق الزّواج ، ومن طريق الدّعاء والغناء والنّوح ، وكذلك هي في القدود وصور الأعناق ، وقصب الريش ، وصيغة الرّءوس والأرجل والسّوق والبراثن . والأجناس التي عددتم ليس يجمعها اسم ولا بلدة ، ولا صورة ولا زواج . وليس بين الدّيكة وبين تلك الذّكورة نسب إلّا أنّها من الطّير الموصوفة بكثرة السّفاد ، وأنّ فراخها وفراريجها تخرج من بيضها كاسية كاسبه . والبطّ طائر مثقل ، وقد ينبغي أن تجعلوا فرخ البطّة فرّوجا ، والأنثى دجاجة والذّكر ديكا ، ونحن نجد الحمام ، ونجد الوراشين ، تتسافد وتتلاقح ، ويجيء منها الراعبيّ والوردانيّ ؛ ونجد الفواخت والقماريّ تتسافد وتتلاقح ، مع ما ذكرنا من التشابه في تلك الوجوه . وهذا كلّه يدلّ على أنّ بعضها مع بعض كالبخت والعراب ونتائج ما بينهما ، وكالبراذين والعتاق ، وكلها خيل ، وتلك كلها إبل . وليس بين التّدارج والقبج والحجل والدّجاج هذه الأمور التي ذكرنا . وعلى أنّا قد وجدنا الأطواق عامّة في ذوات الأوضاح من الحمام ، لأنّ فيها من الألوان ، ولها من الشّيات وأشكال وألوان الريش ما ليس لغيرها من الطّير . ولو احتججنا بالتّسافد دون التّلاقح ، لكان لقائل مقال ، ولكنّا وجدناها تجمع الخصلتين ، لأنّا قد نجد سفهاء النّاس ، ومن لا يتقذّر من الناس والأحداث ومن تشتدّ غلمته عند احتلامه ، ويقلّ طروقه ، وتطول عزبته ؛ كالمعزب من الرّعاء فإنّ هذه الطّبقة من النّاس ، لم يدعوا ناقة ، ولا بقرة ، ولا شاة ، ولا أتانا ، ولا رمكة ، ولا حجرا ، ولا كلبة ، إلّا وقد وقعوا عليها . ولولا أنّ في نفوس النّاس وشهواتهم ما يدعو إلى هذه القاذورة ، لما وجدت هذا العمل شائعا في أهل هذه الصفة ، ولو جمعتهم لجمعت أكثر من أهل بغداد والبصرة . ثم لم يلقح واحد منهم شيئا من هذه الأجناس على أنّ بعض هذه الأجناس يتلقى ذلك بالشّهوة المفرطة .
--> [ 1 ] ثمار القلوب ( 681 ) .