الجاحظ

353

الحيوان

ويذكر الطاعة ، ولا يتقرّب فيه بذكر سرعة النفوذ ، ويبشر فيه بأنّ معه من القوّة المجعولة ما يتهيأ لمثله قضاء حاجته ، فيكذب ثمّ لا يرضى بالكذب حتّى يقول قولا مستنكرا ، ويدّعي قوّة لا تجعل له ، ثمّ يستقبل بالافتراء على اللّه تعالى والاستبداد عليه ، والاستغناء عنه - نبيّا قد ملك الجنّ والإنس والرّياح والطير ، وتسيير الجبال ، ونطق كلّ شيء ، ثمّ لا يزجره فضلا عن أن يضربه ، ويسجنه فضلا عن أن يقتله . وبعد ، فإن اللّه تبارك وتعالى لم يجعل ذلك القول قرآنا ، ويترك التنبيه على ما فيه من العيب ، إلا والقول كان صدقا مقبولا . وبعد ، فإن هذا القول قد سمعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتلاه على الناس ، وما زالوا يتلونه في مجالسهم ومحاريبهم ، أفما كان في جميع هؤلاء واحد يعرف معرفتك ، أو يغضب للّه تعالى غضبك ؟ ! . 397 - [ دفاع عن الكلب ] قال صاحب الكلب : لو اعترضت جميع أهل البدو في جميع الآفاق من الأرض ، أن تصيب أهل خيمة واحدة ، ليس عندهم كلب واحد فما فوق الواحد لما وجدته . وكذلك كانوا في الجاهليّة ، وعلى ذلك هم في الإسلام . فمن رجع بالتخطئة على جميع طوائف الأمم ، والتأنيب والاعتراض على جميع اختيارات الناس ، فليتّهم رأيه ؛ فإنّ رأي الفرد ولا سيّما الحسود ، لا يفي برأي واحد ، ولا يرى الاستشارة حظا وكيف بأن يفي بجميع أهل البدو من العرب والعجم . والدليل على أنّ البدو قد يكون في اللّغة لهما جميعا قول اللّه عزّ وجلّ : وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي « 1 » ولو ابتلي صاحب هذا القول بأن ينزل البادية ، لتحوّل رأيه ، واستبدل به رأي من قد جرّب تقريب الكلب وإبعاده . وقد قال أبو عبّاد النميري : لا يكون البنيان قرية حتى ينبح فيه كلب ، ويزقو فيه ديك . ولمّا قال أحمد بن الخاركي : لا تصير القرية قرية حتّى يصير فيها حائك ومعلّم ، قال أبو عبّاد : يا مجنون إذا صارت إلى هذا فقد صارت مدينة . وللكلب إثباته وجه صاحبه ، ونظره في عينيه وفي وجهه ، وحبّه له ، ودنوّه منه ، حتّى ربّما لاعبه ولاعب صبيانه بالعضّ الذي لا يؤثّر ولا يوجع ، وهي الأضراس التي لو نشّبها في الصخر لنشبت ، والأنياب التي لو أنحى بها على الحصى لرضّها .

--> ( 1 ) . 100 / يوسف : 12 .