الجاحظ

354

الحيوان

وقد تراه وما يصنع بالعظم المدمج ، وبالفقرة من الصّلب القاسي الذي ليس بالنّخر البالي ، ولا بالحديث العهد بالودك الذي يلين معه بالمضغ ويطيب ، فتراه كيف يرضّه ويفتّته ، ثمّ إن مانعه بعض الممانعة ، ووافق منه بعض الجوع ، كيف يبتلعه وهو واثق باستمرائه وهضمه ، أو بإذابته وحلّه . وله ضروب من النّغم ، وأشكال من الأصوات ، وله نوح وتطريب ، ودعاء وخوار ، وهرير وعواء ، وبصبصة ، وشيء يصنعه عند الفرح ، وله صوت شبيه بالأنين إذا كان يغشى الصيد ، وله إذا لاعب أشكاله في غدوات الصّيف شيء بين العواء والأنين . وله وطء للحصى مثله بأن لو وطئ الحصى على أرض السطوح لا يكون مثله وطء الكلب يربى على وزنه مرارا « 1 » . وإذا مرّ على واد جامد ظاهر الماء ، تنكّب مواضع الخرير في أسفله . قال الشاعر - ورأى رجلا اسمه وثّاب واسم كلبه عمرو - فقال : [ من مجزوء الوافر ] ولو هيّا له اللّه * من التّوفيق أسبابا « 2 » لسمّى نفسه عمرا * وسمّى الكلب وثّابا 398 - [ أطباء الكلبة والخنزيرة والفهدة ] قال : والكلبة كثيرة الأطباء ، وكذلك الخنزيرة . وللفهدة أربعة أطباء من لدن صدرها وقرب إبطيها إلى رفغيها « 3 » ، وللفيل حلمتان تصغران عن جثّته . وهما مما يلي الصّدر مثل الإنسان ، والذّكر في ذلك يشبّه بالرجل ؛ لأن للرجل ثديين صغيرين عن جثته . 399 - [ واقية الكلاب ] ويقال : إنّ على الكلاب واقية من عبث السّفهاء والصّبيان بها . قال دريد بن الصّمّة ، حين ضرب امرأته بالسيف ولم يقتلها : [ من الوافر ] أقرّ العين أن عصبت يداها * وما إن يعصبان على خضاب « 4 »

--> ( 1 ) يبدو السياق غير مستقيم ؛ ولعله يريد أن يقول : « وله وطء للحصى مثّله بعضهم بأن لو وطئ الخصيّ على أرض السطوح لا يكون وطؤه مثل وطء الكلب أو وزنه - أي وزن الخصي - يربى على وزنه مرارا . قلت : وقد ذكر الجاحظ في الفقرة ( 78 ) شدة وطء الخصي للأرض . ( 2 ) تقدم البيتان في نهاية الفقرة 277 . ( 3 ) الرفغ : أصل الفخذ . ( 4 ) ديوان دريد بن الصمة 39 ، وثمار القلوب 318 ( 591 ) ، والأغاني 10 / 19 .