الجاحظ
352
الحيوان
ثمّ أعاد ذكر الكلب ، ونبّأ عن حاله ، بأن قال عزّ وجلّ : إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً . سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ . فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً « 1 » وفي قولهم في الآية ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ « 2 » دليل على أنّ الكلب رفيع الحال ، نبيه الذكر ، إذ جعل رابعهم ، وعطف ذكره على ذكرهم ، واشتقّ ذكره من أصل ذكرهم ، حتّى كأنّه واحد منهم ، ومن أكفائهم أو أشباههم أو ممّا يقاربهم . ولولا ذلك لقال : سيقولون ثلاثة معهم كلب لهم . وبين قول القائل معهم كلب لهم ، وبين قوله رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ « 3 » - فرق بيّن وطريق واضح . فإن قلتم : هذا كلام لم يحكه اللّه تعالى عن نفسه ، وإنّما حكاه عن غيره ، وحيث يقول : ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ « 4 » وقد صدقتم ، والصّفة على ما ذكرتم ؛ لأنّ الكلام لو كان منكرا لأنكره اللّه تعالى ، ولو كان معيبا لعابه اللّه ، فإذ حكاه ولم يعبه ، وجعله قرآنا وعظّمه بذلك المعنى ، ممّا لا ينكر في العقل ولا في اللغة ، كان الكلام إذا كان على هذه الصفة مثله ؛ إذ كان اللّه عزّ وجلّ المنزل له . 396 - [ الاستطاعة قبل الفعل ] ومثل ذلك مثّل بعض المخالفين في القدر ، فإنّه سأل بعض أصحابنا فقال : هل تعرف في كتاب اللّه تعالى أنّه يخبر عن الاستطاعة ، أنّها قبل الفعل ؟ قال : نعم ، أتى كثير ، من ذلك قوله تعالى قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ « 5 » . قال المخالف : سألتك أن تخبرني عن اللّه ، فأخبرتني عن عفريت لو كان بين يديّ لبزقت في وجهه ! قال صاحبنا : أمّا سليمان النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، فقد ترك النّكير عليه ، ولو كان مثل هذا القول كفرا وافتراء على اللّه ، ومغالبة وتفويضا للمشيئة إلى النفس ، لكان سليمان ومن حضره من المسلمين من الجنّ والإنس أحقّ بالإنكار ، بل لم يكن العفريت في هذا الموضع هو الذي يسرع فيه
--> ( 1 ) . 21 - 22 / الكهف : 18 . ( 2 ) . 21 - 22 / الكهف : 18 . ( 3 ) . 21 - 22 / الكهف : 18 . ( 4 ) . 21 - 22 / الكهف : 18 . ( 5 ) . 39 / النمل : 27 .