الجاحظ

330

الحيوان

أحدا من العلماء ومن الذين رووا هذا المثل يقول ذلك . والناس في هذا المثل رجلان : زعم أحدهما أنّ اللافظة العنز ؛ لأن العنز ترعى في روضة وتأكل من معلفها وهي جائعة . فيدعوها الراعي وصاحبها باسمها إلى الحلب ، فتترك ما هي فيه حتى تنهك حلبا ، وقال الآخر : اللافظة الرّحى ، لأنّها لا تمسك في جوفها شيئا مما صار في بطنها . وكيف تكون اللافظة الديك ! وليس لنا أن نلحق في هذه الكلمة تاء التأنيث في الأسماء المذكّرة . واللافظة مع هاء التأنيث أشبه بالعنز والرّحى ، وإنّما سمّينا الجمل راوية ، وحامل العلم راوية ، وعلّامة ، حين احتجّ أهل اللغة على ذلك ولم يختلفوا فيه ، وكيف ولا اختلاف بينهم أنّ الديك خارج من هذا التأويل ، وإنّ اختلافهم بين العنز والرّحى . وبعد فقد زعم ثمامة بن أشرس رحمه اللّه تعالى : أنّ ديكة مرو تطرد الدّجاج عن الحبّ ، وتنزع الحبّ من أفواه الدّجاج « 1 » . وقال صاحب الديك : قولهم : « أسمح من لافظة » لا يليق بالرّحى ، لأنّ الرّحى صخرة صمّاء ، والذي يخرج ما في بطنها المدير لها ، والعرب إنّما تمدح بهذه الأسماء الإنسان وما جرى مجراه في الوجوه الكثيرة ، ليكون ذلك مشحذة للأذهان ، وداعية إلى السّباق وبلوغ الغايات وأمّا ترك الشّاة للعلف فليس بلفظ للعلف ، إلّا أن يحملوا ذلك على المجازات البعيدة ، وقد يكون ذلك عند بعض الضّرورة . والشّاة ترضع من خلفها حتّى تأتي على أقصى لبن في ضرعها ، وتنثر العلف ، وتقلب المحلب « 2 » ، وتنطح من قام عليها وأتاها بغذائها . وهي من أموق « 3 » البهائم ، وزوجها شتيم « 4 » المحيّا ، منتن الريح ، يبول في جوف فيه وفي حاق « 5 » خياشيمه . وتقول العرب : « ما هو إلّا تيس في سفينة » « 6 » ، إذا أرادوا به الغباوة و « ما هو إلّا تيس » ، إذا أرادوا به نتن الريح .

--> ( 1 ) انظر البخلاء 18 ، والعقد الفريد 6 / 174 ، ومعجم البلدان ( مرو ) ، وربيع الأبرار 5 / 443 . ( 2 ) المحلب : إناء يحلب فيه . ( 3 ) الموق : الحمق . ( 4 ) الشتيم : الكريه الوجه . ( 5 ) حاق الشيء : وسطه . ( 6 ) هذا القول استخدمه أبو الشمقمق في هجاء بشار فقال : هلّلينه هلّلينه * طعن قثّاة لتينه إن بشار بن برد * تيس أعمى في سفينة انظر الأغاني 3 / 195 ، 247 ، ونكت الهميان 126 .