الجاحظ

331

الحيوان

والعنز خرقاء ، وأبوها وهو التّيس أخرق منها . وأمر الدّيك وشأنه ، وكيف يلفظ ما قد صار في منقاره ، وكيف يؤثر به طروقته من ذات نفسه - شيء يراه الناس ، ويراه جميع العباد . وهذه المكرمة ، وهذا الغزل ، وهذا الإيثار « 1 » ، شيء يراه الناس لم يكن في ذكر قطّ ممّن يزاوج إلّا الديك ، والدّيك أحقّ بهذا المثل . فإن كنتم قد صدقتم على العرب في تأويل هذا المثل فهذا غلط من العرب وعصبيّة للّبن ، وعشق للدّقيق . والمثل إنّما يلفظ به رجل من الأعراب ، وليس الأعرابيّ بقدوة إلّا في الجر والنصب والرفع وفي الأسماء ، وأمّا غير ذلك فقد يخطئ فيه ويصيب فالدّيك أحقّ بهذا المثل الذي ذكرنا ، وسائر خصاله الشريفة . والذي يدلّ على أنّ هذا الفعل في الدّيك ، إنّما هو من جهة الغزل لا غير ، أنه لا يفعل ذلك إذا هرم وعجز عن السّفاد ، وانصرفت رغبته عنهنّ وهو في أيّام شبابه أنهم وأحرص على المأكول ، وأضنّ على الحبّ ، فما له لم يؤثرهنّ به عند زهده ، ويؤثرهنّ عند رغبته ؟ ! وما باله لم يفعل ذلك وهو فرّوج صغير ، وصنع ذلك حين أطاق السفاد ؟ ! فتركه لذلك في العجز عنهنّ ، وبذله في أوقات القوة عليهنّ دليل على الذي قلنا ، وهذا بيّن لا يردّه إلّا جاهل أو معاند . 355 - [ دفاع عن الكلب ] وقال صاحب الكلب : لسنا ننكر خصال الدّيك ومناقبه من الأخبار المحمودة ، ولولا ذلك ما ميّلنا « 2 » بينه وبين الكلب . ومن يميّل بين العسل والخلّ في وجه الحلاوة والحموضة ؟ ! وكيف يفضل شيء على شيء وليس في المفضول شيء من الفضل ؟ ! والذي قلتم من قذقه الحبّ قدّام الدّجاج صحيح . وليس هذا الذي أنكرنا ، وإنّما أنكرنا موضع المثل الذي صرفتموه إلى حجّتكم ، وتركتم الذين ما زال الناس يقلّدونهم في الشاهد والمثل . وإن جاز لكم أن تردّوا عليهم هذا المثل جاز لكلّ من كره مثلا أو شاهدا أن يردّ عليهم كما رددتم ، وفي ذلك إفساد أمر العرب كله . فإن زعمت أنّ الديك ، كان أحقّ به ، فخصومك كثير ولسنا نحيط بأوائل

--> ( 1 ) من الأمثال قولهم : « أسخى من ديك » ، والمثل في المستقصى 1 / 159 ، والدرة الفاخرة 1 / 218 . ( 2 ) ميّل بين الشيئين : رجح ووازن .