الجاحظ

301

الحيوان

وإنّما ذكرت لك هؤلاء لأنهم من سؤددهم وطاعة القبيلة لهم ، لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم ، ومن حلفائهم وجيرانهم ، مذهب كليب بن ربيعة ، ولا مذهب حذيفة بن بدر ، ولا مذهب عيينة بن حصن ، ولا مذهب لقيط بن زرارة ، ولأنّ لقيطا لم يأمر بسحب ضمرة بن ضمرة إلّا وهو لو بقي لجاوز ظلم كليب وتهكم عيينة ، فإنّ هؤلاء وإن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون ، وكانوا بين أن يظلموا وبين أن يحتملوا ظلما ممن ظلمهم . ولا بدّ من الاحتمال كما لا بدّ من الانتصار . وقد قال عزّ وجلّ : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « 1 » . وإلى هذا المعنى رجع قول الحكيم الأوّل : « بعض القتل إحياء للجميع » « 2 » . وعامّة هؤلاء السّادة لم يكن شأنهم أن يردّوا الناس إلى أهوائهم ، وإلى الانسياق لهم بعنف السّوق ، وبالحرب في القود ، بل كانوا لا يؤثرون التّرهيب على الترغيب . والخشونة على التليين . وهم مع ذلك قد هجوا بأقبح الهجاء . ومتى أحبّ السّيّد الجامع ، والرئيس الكامل قومه أشدّ الحبّ وحاطهم على حسب حبه لهم ، كان بغض أعدائهم له على حسب حبّ قومه له . هذا إذا لم يتوثّب إليه ولم يعترض عليه من بني عمّه وإخوته من قد أطمعته الحال باللّحاق به . وحسد الأقارب أشدّ ، وعداوتهم على حسب حسدهم . وقد قال الأوّلون : رضا الناس شيء لا ينال . وقد قيل لبعض العرب : من السّيّد فيكم ؟ قال الذي إذا أقبل هبناه ، وإذا أدبر اغتبناه ! وقد قال الأوّل : بغضاء السّوق « 3 » موصولة بالملوك والسادة ، وتجري في الحاشية مجرى الملوك . 310 - [ صعوبة سياسة العوام ] وليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة العوامّ . وقد قال الهذليّ يصف صعوبة السياسة : [ من الوافر ] وإن سياسة الأقوام فاعلم * لها صعداء مطلبها طويل « 4 »

--> ( 1 ) . 179 / البقرة : 2 . ( 2 ) مجمع الأمثال 1 / 105 . ( 3 ) السوق : جمع سوقة ، وهي الرعية . ( 4 ) البيت للأعلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين 323 ، وللهذلي في البيان والتبيين 1 / 275 ، 2 / 352 ، 3 / 218 ، وعيون الأخبار 1 / 226 ، وأساس البلاغة ( صعد ) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج ( صعد ) .