الجاحظ

300

الحيوان

وإذا كان الرجل أبرع الناس براعة ، وأظهرهم فضلا ، وأجمعهم لخصال الشرف ، ثمّ كانت كلّ خصلة مساوية لأختها في التّمام ، ولم تغلب عليه خصلة واحدة ، فإنّ هذا الرّجل لا يكاد يوصف إلّا بالسيادة والرئاسة خاصّة إذا لم يكن له مسند عما يكون هو الغالب عليه . وقالوا فيما يشبه ما ذكرنا ، وإن لم يكن هو بعينه ، قال الشاعر : [ من البسيط ] هينون لينون أيسار ذوو يسر * سوّاس مكرمة أبناء أيسار « 1 » من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم * مثل النّجوم التي يسري بها الساري وقد قال مثل الذي وصفنا جعفر الضبّيّ في الفضل بن سهل : أيّها الأمير أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السّؤدد ، وحيّرني فيها كثرة عددها ، فليس إلى ذكر جميعها سبيل ، وإن أردت وصف واحدة اعترضت أختها ، إذ لم تكن الأولى أحقّ بالذكر . ولست أصفها إلّا بإظهار العجز عن وصفها . ولذلك قالوا : « أحلم من الأحنف » « 2 » ، و « ما هو إلّا في حلم معاوية » و « أحلم من قيس بن عاصم » « 3 » ، ولم يقولوا : أحلم من عبد المطّلب ، ولا هو أحلم من هاشم ، لأنّ الحلم خصلة من خصاله كتمام حلمه ، فلمّا كانت خصاله متساوية ، وخلاله مشرفة متوازية ، وكلّها كان غالبا ظاهرا ، وقاهرا غامرا ، سمّي بأجمع الأشياء ولم يسمّ بالخصلة الواحدة ، فيستدلّ بذلك على أنّها كانت أغلب خصال الخير عليه . 309 - [ هجاء السفهاء للأشراف ] وإذا بلغ السّيد في السّؤدد الكمال ، حسده من الأشراف من يظنّ أنّه الأحقّ به ، وفخرت به عشيرته ، فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيّد عشيرته فهجاه . ومن طلب عيبا وجده . فإن لم يجد عيبا وجد بعض ما إذا ذكره ، وجد من يغلط فيه ويحمله عنه . ولذلك هجي حصن بن حذيفة ، وهجي زرارة ابن عدس ، وهجي عبد اللّه بن جدعان ، وهجي حاجب بن زرارة .

--> ( 1 ) البيتان للعرندس الكلابي في معجم الشعراء 173 ، والحماسة المغربية 299 - 300 ، وأمالي القالي 1 / 239 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1593 ، ولعبيد بن العرندس الكلابي في السمط 546 ، والكامل 1 / 47 ، وبلا نسبة في عيون الأخبار 1 / 226 ، والبرصان والعرجان 236 ، وديوان المعاني 1 / 23 ، 41 ، والحماسة الشجرية 1 / 359 . وهما من قصيدة واحدة مع البيتين المتقدمين في الفقرة السابقة . ( 2 ) المستقصى 1 / 70 ، ومجمع الأمثال 1 / 219 ، وجمهرة الأمثال 1 / 343 ، والفاخر 298 . ( 3 ) وجدت في الأمثال قولهم أغدر من قيس بن عاصم ، في مجمع الأمثال 2 / 65 ، والمستقصى 1 / 259 ، وقولهم : « أكذب من قيس بن عاصم » ، في مجمع الأمثال 2 / 169 ، والمستقصى 1 / 239 .