الشيخ حسن أيوب
77
الحديث في علوم القرآن والحديث
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قال : يعلمون تأويله ويقولون آمنا به ، وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعلمون تأويله ، لو لم يعلموا تأويله لم يعلموا ناسخه من منسوخه ، ولا حلاله من حرامه ، ولا محكمه من متشابهه - واختار هذا القول النووي فقال : في شرح مسلم : إنه الأصح ؛ لأنه يبعد أن يخاطب اللّه عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته . وقال ابن الحاجب : إنه الظاهر . وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم - خصوصا أهل السنة - فذهبوا إلى الثاني ، وهو أصح الروايات عن ابن عباس ، قال ابن السمعاني : لم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة ، واختاره العتبي . قال : وقد كان يعتقد مذهب أهل السنة لكنه سها في هذه المسألة قال : ولا غرو فإن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة . قلت : ويدل لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس ، أنه كان يقرأ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ويقول : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ فهذا يدل على أن الواو للاستئناف ؛ لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه ، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم مبتغي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة ، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى اللّه وسلموا إليه ، كما مدح اللّه المؤمنين بالغيب ، وحكى الفراء أن في قراءة أبي بن كعب - أيضا - « ويقول الراسخون » . وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش ، قال في قراءة ابن مسعود : « وإن تأويله إلا عند اللّه ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به » . وأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت : تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذه الآية : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ إلى قوله : أُولُوا الْأَلْبابِ قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللّه ، فاحذرهم » . وأخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زجر وأمر ، وحلال وحرام ، ومحكم ومتشابه وأمثال ، فأحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله ، واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا : آمنا به كل من عند ربنا . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا : أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال