الشيخ حسن أيوب

78

الحديث في علوم القرآن والحديث

وحرام لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلا اللّه ، ومن ادعى علمه سوى اللّه فهو كاذب ، ثم أخرجه من وجه آخر عن ابن عباس موقوفا بنحوه . وأخرج الدارمي في مسنده عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة « فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فأرسل إليه عمر وقد أعدّ له عراجين النخل ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا عبد اللّه بن صبيغ ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه » وفي رواية عنده « فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ، ثم تركه حتى برأ ، ثم عاد ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري : لا يجالسه أحد من المسلمين » . وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال : إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بمشتبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب اللّه ، فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن المتشابه مما لا يعلمه إلا اللّه تعالى وأن الخوض فيه مذموم ، وسيأتي قريبا زيادة على ذلك . قال الطيبي : المراد بالمحكم : ما اتضح معناه ، والمتشابه بخلافه ، لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أو لا ، والثاني النص ، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا والأول هو الظاهر ، والثاني إما أن يكون مساويه أو لا ، والأول هو المجمل والثاني المؤول ، فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم ، والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه . ويؤيد هذا التقسيم أنه تعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه قالوا : فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله ، ويعضد ذلك أسلوب الآية وهو الجمع مع التقسيم ؛ لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء ، فقال أولا : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ إلى أن قال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وكان يمكن أن يقال : وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم ، لكنه وضع موضع ذلك وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لإتيان لفظ الرسوخ ؛ لأنه لا يحصل إلا بعد التثبت العام والاجتهاد البليغ ، فإذا استقام القلب على طريق الإرشاد ورسخ القدم في العلم ، أفصح صاحبه النطق بالقول الحق وكفى بدعاء الراسخين في العلم : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [ سورة آل عمران آية : 8 ] . . إلخ شاهدا على أن الراسخين في العلم مقابل لقوله : الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله : إِلَّا اللَّهُ تام ، وإلى أن علم المتشابه مختص باللّه تعالى . وأن من حاول معرفته هو الذي أشار