الشيخ حسن أيوب
115
الحديث في علوم القرآن والحديث
حكمة اللّه في النسخ الآن وقد عرفنا النسخ ، وفرقنا بينه وبين ما يلتبس به ، وأيدناه بالأدلة ، ويجدر بنا أن نبين حكمة اللّه تعالى فيه ، لأن معرفة الحكمة تريح النفس وتزيل اللبس ، وتعصم من الوسوسة والدسّ ، خصوصا في مثل موضوعنا الذي كثر منكروه وتصيدوا لإنكاره الشبهات من هنا وهناك . ولأجل تفصيل القول في الحكمة نذكر أن النسخ وقع بالشريعة الإسلامية ووقع فيها . على معنى أن اللّه نسخ بالإسلام كل دين سبقه ، ونسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض . أما حكمته سبحانه في أنه نسخ به الأديان كلها ، فترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع يفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها ، وبعد أن بلغت أشدها واستوت ، ذلك أن النوع الإنساني تقلّب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة ، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره . حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه ، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه ، جاء هذا الدين الحنيف ، ختاما للأديان ، ومتمما للشرائع ، وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية ، ومرونة القواعد جمعا وفق بين مطالب الروح والجسد ، وآخى بين العلم والدين ، ونظم علاقة الإنسان باللّه وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات ، وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد ، مما جعله بحق دينا عامّا خالدا إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ! . وأما حكمة اللّه في أنه نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض فترجع إلى سياسة الأمة وتعهّدها بما يرقيها ويمحصها ، وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها حين صدعها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بدعوته ، كانت تعاني فترة انتقال شاقّ ، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها وموروثاتها وعاداتها خصوصا مع ما هو معروف عن العرب الذين شوفهوا بالإسلام ، من التحمس لما يعتقدون أنه من مفاخرهم وأمجادهم . من هنا جاءت الشريعة إلى الناس تمشي على مهل متألفة لهم ، متلطفة في دعوتهم ، متدرجة بهم إلى الكمال رويدا رويدا ، صاعدة بهم في مدارج الرقي شيئا فشيئا ، متمشية مع الإلف والمران والأحداث الجادة عليهم ، لتسير بهم من الأسهل إلى السهل ، ومن السهل إلى الصعب ، ومن الصعب إلى الأصعب حسب أصول التربية ، حتى تم الأمر ونجح الإسلام نجاحا لم يعرف مثله في سرعته وامتزاج النفوس به ، ونهضة البشرية بسببه ! تلك الحكمة على هذا الوجه تتجلى فيما إذا كان الحكم الناسخ أصعب من