الشيخ حسن أيوب
116
الحديث في علوم القرآن والحديث
المنسوخ ، كموقف الإسلام في سموه ونبله من مشكلة الخمر في عرب الجاهلية ، وقد كانت مشكلة معقدة كل التعقيد ، يحتسونها بصورة تكاد تكون إجماعية ، ويأتونها لا على أنها عادة مجردة ، بل على أنها أمارة القوة ، ومظهر الفتوّة ، وعنوان الشهامة ! فقل لي بربك : هل كان معقولا أن ينجح الإسلام في فطامهم عنها لو لم يتألفهم ويتلطف بهم إلى درجة أن يمتن عليهم بها أول الأمر ، كأنه يشاركهم في شعورهم . وإلى حد أنه أبى أن يحرمها عليهم في وقت استعدت فيه بعض الأفكار لتسمع كلمة تحريمه حين سألوه صلّى اللّه عليه وسلم : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [ سورة البقرة آية : 219 ] . أما الحكمة في نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه ، فهي التخفيف على الناس ترفيها عنهم وإظهارا لفضل اللّه عليهم ورحمته بهم ، وفي ذلك إغراء لهم على المبالغة في شكره وتمجيده ، وتحبيب لهم فيه وفي دينه . وأما الحكمة في نسخ الحكم بمساويه في صعوبته أو سهولته ، فالابتلاء والاختبار ليظهر المؤمن فيفوز ، والمنافق فيهلك لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . يبقى الكلام في حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ، وفي حكمة نسخ التلاوة مع بقاء الحكم . أما حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ؛ فهي تسجيل تلك الظاهرة الحكيمة ، ظاهرة سياسة الإسلام للناس ، حتى يشهدوا أنه هو الدين الحق ، وأن نبيه نبي الصدق ، وأن اللّه هو العليم الحكيم ، الرحمن الرحيم ، يضاف إلى ذلك ما يكتسبونه من الثواب على هذه التلاوة ، ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة ، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها . وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، فحكمته تظهر في كل آية بما يناسبها ، وأنه لتبدو لنا حكمة رائعة في مثال مشهور من هذا النوع . ذلك أنه صح في الرواية عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب أنهما قالا : كان فيما أنزل من القرآن : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » أي كان هذا النص آية تتلى ، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولا به إلى اليوم ، والسر في ذلك أنها كانت تتلى أولا لتقرير حكمها ، ردعا لمن تحدثه نفسه أن يتلطخ بهذا العار الفاحش من شيوخ وشيخات حتى إذا ما تقرر هذا الحكم في النفوس نسخ اللّه تلاوته لحكمة أخرى ، هي الإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة ، حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل ، وسار بها في طريق يشبه طريق المستحيل الذي لا يقع ، كأنه قال :