الشيخ حسن أيوب

11

الحديث في علوم القرآن والحديث

وحجج القرآن ، وبدائع القرآن ، ورسم القرآن ، وما أشبهها مما يروعك تصوره والاطلاع عليه ، ومما يملأ خزائن كاملة من أعظم المكتبات في العالم . ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا هذا يزيدون ، وعلوم القرآن ومؤلفاته تنمو وتزدهر . أليس ذلك إعجازا آخر للقرآن يريك إلى أي حد بلغ علماء الإسلام في خدمة التنزيل . ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي معارفه ، ولن يستطيع أن يحيط بأسراره إلا صاحبه ومنزله ؟ . وإذا أضفت إلى علوم القرآن ما جاء في الحديث النبوي الشريف وعلومه وكتبه وبحوثه باعتبارها من علوم القرآن ، نظرا إلى أن الحديث شارح للقرآن يبين مبهماته ، ويفصل مجملاته ، ويخصص عامّه ، كما قال سبحانه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ سورة النحل آية : 44 ] . أقول : إذا أضفت الحديث النبوي وعلومه إلى علوم القرآن تراءى لك بحر متلاطم الأمواج . وتزداد عجبا إذا علمت أن طريقة أولئك المؤلفين في تأليفهم كانت طريقة استيعاب واستقصاء بحيث يقصد أصحابها أن يحيطوا بجزئيات القرآن من الناحية التي كتبوا فيها بقدر طاقتهم البشرية . فمن يكتب في غريب القرآن مثلا يذكر كل مفرد من مفردات القرآن التي فيها غرابة وإبهام . ومن يكتب في مجاز القرآن يقتفي أثر كل لفظ فيه مجاز أيّا كان نوعه في القرآن . ومن يكتب في أمثال القرآن يتحدث عن كل مثل ضربه اللّه في القرآن ، وهكذا سائر أنواع علوم القرآن . ولهذا اشرأبت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علما جديدا يكون كالفهرس والدليل عليها ، والمتحدث عنها . فكان هذا العلم هو ما نسميه « علوم القرآن » بالمعنى المدون ، ولا نعلم أن أحدا قبل المائة الرابعة للهجرة ألّف أو حاول أن يؤلف في علوم القرآن بالمعنى المدون ؛ لأن الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف . وإن كنا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرزين من العلماء ، على الرغم من أنهم لم يدونوها في كتاب ، ولم يفردوها باسم . أجل : كانت علوم القرآن مجموعة في صدور هؤلاء العلماء . فنحن نقرأ في تاريخ الشافعي رضي اللّه عنه أنه أثناء محنته التي اتهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن ، وسيق بسبب هذه التهمة إلى الرشيد مكبلا بالحديد في بغداد ، سأله الرشيد حين لمح علمه وفضله ، فقال : كيف علمك يا شافعي بكتاب اللّه عزّ وجلّ ؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به ؟ فقال الشافعي : عن أي كتاب من كتب اللّه تسألني يا أمير المؤمنين ؟ فإن اللّه تعالى قد أنزل