عبد السلام مقبل المجيدي
58
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
6 - التحنث : فقد جاء في حديث عائشة - رضي اللّه تعالى عنها - : ( ثم حبب إليه الخلاء فكان يتحنث في غار حراء . . . ) « 1 » . فقولها ( حبب ) : لم يسم فاعله ؛ لعدم تحقق الباعث على ذلك ، وإن كان كل من عند اللّه ، أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر ، أو يكون ذلك من وحي الإلهام . والخلاء بالمد الخلوة ، والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له « 2 » . وقد فسر في الحديث معنى التحنث من بعض رواته ، فقال : ( وهو التعبد الليالي ذوات العدد ) . وقد قيل في تأويل التحنث أنه من الحنفية إذ تبدل الثاء من الفاء كثيرا ، أو من إلقاء الحنث وهو الإثم « 3 » . وحتى لا يتهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بالاتصال بالشياطين ، أو بالفيض الفلسفي الذاتي من خلال الاستيحاش بالناس ، والاستئناس بالخلوة ؛ إذ ذاك مظنة لهما - فإن من أبرز الحقائق التي صاحبت خلوته صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يكن مبتدعها في قريش ، بل كانت تلك عادة متأصلة فيهم ، فإن الزمن الذي كان يخلو فيه كان شهر رمضان « 4 » ، وكانت قريش تفعله ، كما كانت تصوم عاشوراء ، وهم لم ينازعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم في غار حراء ، مع مزيد الفضل فيه على غيره ؛ لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش ، وكان يعظمونه لجلالته ، وكبر سنه ، فتبعه على ذلك من كان يتأله ، فكان صلى اللّه عليه وسلم يخلو بمكان جده ، وسلم له ذلك أعمامه لكرامته عليهم « 5 » . وهل كان النبي صلى اللّه عليه وسلم متوقعا للوحي بعد ظهور هذه العلامات كما يدل له كلام البلقيني ، أم لا لشاهد فزعه ، ولقول عائشة - رضي اللّه تعالى عنها - : فجئه الحق ، وأيده النووي
--> ( 1 ) البخاري 1 / 3 ، مرجع سابق . ( 2 ) انظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1 / 13 ، مرجع سابق . ( 3 ) انظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1 / 13 ، مرجع سابق . ( 4 ) رواه ابن إسحاق كما قال ابن حجر - رحمه اللّه تعالى - في فتح الباري 12 / 361 ، مرجع سابق . ( 5 ) انظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1 / 13 ، مرجع سابق .