عبد السلام مقبل المجيدي

140

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

وهاهنا مسألة في غاية الأهمية من ناحية دراسة وسائل المعرفة المكسبة لليقين في المنهج الإسلامي وهي : أن ثمّ نوعا من التواتر الذي يفيد اليقين الضروري أو النظري ، وهو التواتر العملي بأن يتناقل المسلمون العمل في العبادة جيلا جيلا دون نكير ، فيأخذ حكم المتواتر ، ولو كان مستنده آحادا كأركان الصلاة ومقادير الزكاة ، وألفاظ الأذان ، ورمي الجمار في مناسك الحج ، وكثير من مثل ذلك . . . ووجود جزئيات في هذا النوع مختلف فيها أمر لا يخرم هذه القاعدة . . . فاضمم إلى هذه الأمثلة أداء القرآن تجده أولى منها جميعا ، من حيث ثبوت اليقينية له ، وهذا تكرار لأمر سبق ذكره في المنهج ، أوجبه الاعتناء بالمقام ، كما أن تفصيله ليس هنا . المطلب الخامس : المقتضى المنهجي لما سبق : وتقرير هذه المسألة له ما بعده ، إذ ينبني عليها ثلاثة أمور منهجية : أولها : التزام هذه الطريقة ( التلقي ) منهجا لتعليم القرآن الكريم : إذ إن توافر الدواعي للطرق الأخرى في إنزال القرآن الكريم وحيا « 1 » ، مع عدم استعمالها ، وتخصيص طريقة التلقين مع عدم الحاجة إليها إذ أن اللّه قد تكفل بأن يلهمه القرآن بقوله إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، وبقوله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ، قال الشوكاني - رحمه اللّه تعالى - : " أي سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة ، فلا تنسى ما تقرؤه " « 2 » ، وهذا وسم لاستخدام غيرها بالبدعية ، ومن ثم فاستعمال أسلوب القراءة المباشرة من المصحف دون تلقين بدعة ، أو أنه تعلّم للقرآن على غير الطريقة التي شرعها القرآن ، وهو ما قرره الصاوي - رحمه اللّه تعالى - في قوله : " والحكمة في تلقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن جبريل عليه السلام ظاهرا أنه يكون سنة متبعة

--> ( 1 ) ككونها أسهل وأسرع ، وهي بالنظر إلى قدرة اللّه عزّ وجل ليست أعسر إذ هي لا تعجز كلمة كن مع وقوعها في أمور أخرى أقل شأنا من القرآن ، ومثالها النفث في الروع ، أو الإلهام . ( 2 ) فتح القدير 4 / 522 ، مرجع سابق .