عبد السلام مقبل المجيدي
136
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
فالجواب : تظهر حكمة بالغة من التعبير عن قراءة جبريل عليه السلام على النبي صلى اللّه عليه وسلم بلفظ قَرَأْناهُ ؛ إذ لم يقل قرأه جبريل عليه السلام ، وذلك ليكون من قبيل إسناد ما هو للمأمور للآمر « 1 » ، فقوله : " فَإِذا قَرَأْناهُ أي إذا قرأه جبريل عليه السلام عنا فأسندت القراءة إلى ضمير الجلالة على طريقة المجاز العقلي والقرنية واضحة " « 2 » . . . نفيا لأي حدس ، أو تخمين ، أو بارقة تتلجلج في الصدور عن عدم إتقان جبريل عليه السلام للقراءة كما أرادها اللّه سبحانه وتعالى من حيث هيئاتها الصوتية المصاحبة ( الداخلية والمشتركة ) « 3 » فضلا عن الألفاظ في ذاتها فأوجز لنا في قَرَأْناهُ إخباره عزّ وجل بإزالة دخل شيطان قد يطرأ عند تحليل الموقف القرآني بين جبريل عليه السلام والنبي صلى اللّه عليه وسلم إذ كان القارئ هو اللّه سبحانه وتعالى بإسناد القراءة إليه . . . ويقرّب هذا بأن يقال : كأن أداء جبريل عليه السلام لألفاظ القرآن الكريم عبارة عن مسجلة تعيد ما تكلم اللّه عزّ وجل به ، وجبريل عليه السلام كأنه مسجل يعيد ما تكلم اللّه - تعالى ذكره - به . . . دون زلل أو خطل في أدق الهيئات الأدائية للحرف فيما خلا الصفة الإلهية المنزهة عن التمثيل والتخيل . . . فيقرأه جبريل عليه السلام كما نقله عن اللّه - تعالى ذكره - كما تنقل المسجلة ، فجعل اللّه - تعالى ذكره - إقراء جبريل عليه السلام على النبي صلى اللّه عليه وسلم إقراء من اللّه - تعالى ذكره - لنبيه صلى اللّه عليه وسلم لشدة دقة جبريل عليه السلام في بيانه للأحرف ؛ إذ هو الواسطة بين اللّه ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ينقله كما أقرأه اللّه عزّ وجل له تماما لكل حرف ، وأحسن تفصيلا لكل كلمة . وفي هذا يقول ابن كثير : " وأن ييسره على الوجه الذي ألقاه إليه " « 4 » ، وقال الزمخشري : " جعل قراءة جبريل عليه السلام قراءته " « 5 » ، وقال الآلوسي : " أتممنا قراءته عليك بلسان
--> ( 1 ) حاشية الصاوي ، وبهامشه تفسير الجلالين 3 / 354 ، مرجع سابق . ( 2 ) انظر : التحرير والتنوير 29 / 349 ، مرجع سابق . ( 3 ) المراد بالمشتركة الصوت المصاحب للحرف عند التقائه حرفا آخر في كلمته أو في كلمة أخرى ، كالإدغام مثلا . ( 4 ) ابن كثير 4 / 383 ، مرجع سابق . ( 5 ) الكشاف 4 / 165 ، مرجع سابق .